المقدمة :
بالرغم من اختلاف
المدارس والمنظورات التي تناولت السياسة الخارجية إلا أنها تشير كاتجاه عام
للتعريف إلى سلوك الدولة تجاه البيئة الخارجية وهذا السلوك يتبلور في أشكال عدة
وهو موجه بالأساس نحو وحدات سياسية (الدول ) أو وحدات تنظيمية (الأمم المتحدة مثلا
) أو قضايا (استعمار أو احتلال )، ومن هذا المنطلق حاول دارسوا السياسة الخارجية
محاولة بناء نماذج نظرية تملك القدرة المعرفية على تحليل وتفسير سلوكيات الدول
الخارجية من خلال البحث في تساؤلات محددة ، فمنهم من اهتم بمن يصنع القرار سواء
كان فرد أو جماعة أو جهاز ، ومنهم من انصرف إلى دراسة عوامل ومسببات صنع القرار أي
كيف يصنع القرار من حيث هو عملية مركبة أو تلقائية و عموما فأيا كانت اتجاهات
التحليل التي استندت إليها هذه النماذج النظرية وأيا كانت السياقات والقوالب التي
جاءت فيها . فإنها جميعا واكبت نزعة التنظير في السياسة الخارجية في محاولة لتصميم
أطر نظرية تفسيرية مرنة تحلل السلوكات الخارجية، لذلك ظهرت نماذج عديدة مثل نموذج
سنايدر وروزنو وغراهام أليسون .
نموذج صنع القرار الخارجي لسنايدر
البناء العام لصنع
القرار في السياسة الخارجية :
إن نموذج سنايدر هو
أول نموذج تم تطويره في حقل السياسة الخارجية عام 1954 حيث كانت تلك الفترة قد
شهدت انتقادات لاذعة وجهها سنايدر لمختلف الأطر النظرية في إطار السياسة الخارجية
لأنها من خلال وصفه لاتوفر الطريقة
المنهجية المساعدة على فهم السياسة الخارجية وتفسيرها. وقد انطلق سنايدر من تقديم نموذج نظري لفهم وتحليل علم السياسة الدولي
مخالف لما قدمه دارسوا النظرية العامة للعلاقات الدولية ( نظريات ومدارس العلاقات
الدولية ) حيث يعتمد هؤلاء على النشاطات السياسية للوحدات السياسية كمادة للتحليل
فيحللون سلوك الدول تبعا لعوامل موضوعية ( جغرافية ، سياسية ، تاريخية) وهذا دون
الأخذ بعين الاعتبار تأثير نشاط الأفراد المسؤولين عن اتخاذ القرار الخارجي، لذا
ركز سنايدر على البحث في نشاطات صناع القرار الخارجي كمادة للتحليل و كذلك سنايدر
قد ميز بين نوعين من التحليل:
1 - التحليل الساكن :
يرتكز على طبيعة التغير بين نقطتين زمنيتين
وظروف هذا التغير ولكنه لا يبحث في أسباب التغيير والكيفية التي يتم بها .
2 - التحليل الديناميكي :
2 - التحليل الديناميكي :
يجمع بين الوقوف على
طبيعة التغير بين نقطتين زمنيتين أو أكثر إلى جانب الوقوف على معرفة أسباب التغير
بتتابع الأحداث السلوكية ولذلك فتحليل عمليات السياسة الدولية يقتضي دراسة التفاعل
بين الدول من ثنايا القرارات الخارجية ( كمنتج نهائي لها ) حتى نقدر العلاقة بين
موقفين .كما أن تحليل العمليات السياسية الدولية يقتضي دراسة عملية
صنع القرار لأنها تجعلنا نفسر لماذا ظهر موقف ما بشكل معين [1] .
أولا : الإطار النظري لنموذج سنايدر:
1 - القاعدة المركزية :
1 - القاعدة المركزية :
إن أفضل وسيلة
لاستيعاب السياسة الدولية وعوامل التأثير في سلوك الدول تكمن في التحليل على مستوى
الدولة و يتم ملاحظة ذلك من خلال عملية البناء التحليلي و عليه ففهم السلوك الخارجي لدولة ما يؤدي إلى
فهم سلوك كل الدول وهذا هو جوهر نموذج صنع القرار لريتشارد سنايدر الذي يرتكز على
دراسة السلوك الخارجي وتعريفه والوقوف عليه لأنه يتمثل في مجموعة القرارات التي
تصنعها وحدات معترف بها وأن الدول كذلك تتصرف على أساس أنها أطراف وفواعل في حالة
أو موقف دولي معين ، والدول تحاول من خلال هذه القرارات الوصول لأهداف معينة والدفاع
عن هذه الأهداف، وعليه فإن وحدة التحليل الأساسية هي "القرار الخارجي " لأن نشاطات الدول
في النهاية ليست إلا نشاطات صناع القرارالخارجي وفي دراسته لمسار التفاعل اعتبر
سنايدر أن الفعل الصادر عن الدولة ( موقف سياسي ، الدخول في النزاع، غلق السفارة )
يقابله رد فعل من المحيط الخارجي يأخذ عدة أشكال وهنا تحدث العملية التفاعلية التي
تؤدي إلى تشكل أنماط معينة ترسم أطر محددة للسياسة الدولية.
2 - عملية صنع
القرار
:
هي العملية التي
ينتج عنها اختيار أو انتقاء بديل أو قرار من بين مجموعة من البدائل والقرارات، هذه
البدائل يعتقد سنايدر أنها معرفة اجتماعيا بهدف التوصل لوضع معين ، هذا الوضع كما
يتصوره صانعوا القرار أي هو الذي يرتسم في ذهن صانع القرار و يركز سنايدر على مفهومين
أساسيين في تقديمه لنموذجه:
1 - الدوافـــع :
يجب تحديد ومعرفة دوافع صناع القرار في السياسة
الخارجية التي قد تكون متجانسة مع دوافع الوحدات السياسية ( الدول ) كما أنها قد
تكون متعارضة، وهي تتنوع بين :
الدوافع الشخصية:
الدوافع الشخصية:
وهي المكتسبة من
التوظيف الذي يشغله صانع القرار
الدوافع السيـاسية:
الدوافع السيـاسية:
المرتبطة بسياسة
الدولة أوالحزب الذي يرتبط به صانع القرار.
2 - الإدراك :
2 - الإدراك :
حيث أن فهم واستيعاب الفعل ( القرار ) يتطلب النظر إلى
محيط صناعته من خلال إدراك صناع القرار لمحيطهم وليس من خلال موقع المراقب
الموضوعي أو الحيادي أي في إدراك صناع القرار للعوامل والمتغيرات المؤثرة في هذا
القرار وهذا مثل : إدراك الدول لسقوط الاتحاد السوفياتي وهو ما
يقود إلى تحديد طبيعة المتغيرات المؤثرة في السلوك الخارجي ويتم هنا طرح إشكالية التصنيف . لأجل ما تقدم
يعتبر نموذج سنايدر نموذجا إرشاديا حيث قدمه بهدف اتخاذه من جانب صناع القرار
مرشدا لعملية اتخاذ القرار الخارجي.
3 - منهجيـــــا :
3 - منهجيـــــا :
تحدث عن إمكانية
خضوع هذه الدراسة للتقدير الكمي فاستخدم أساليب البحث الميداني والتحليل الرياضي
والإحصائي لتحليل عملية صنع القرار الخارجي ومن ثم أخضع نشاط صناع القرار للتجريب . فعندما ركز البحث عن
الدوافع التي تقف وراء سلوك صناع القرار قدم نموذجا إجرائيا يتقيد به صناع القرار
قبل عملية اتخاذ قرار وركز على مصادر المعلومات وأساليب تمحيصها واحتمالات التشويه
التي تتعرض لها هذه المعلومات حينما تنقل من الأجهزة البيروقراطية ( وزارة
الخارجية مثلا أو وزارة الدفاع ) إلى صناع القرار، هذا بالإضافة إلى جانب توضيح
معايير الترجيح والمفاضلة بين البدائل المطروحة [2] .
ثانيا : العوامل المؤثرة في صنع القرار الخارجي :
1 - البيئة الداخلية (البيئة الوطنية ) :
تقع في إطار المجتمع
الذي يتخذ صانعوا القرار قراراتهم من أجله وتشمل السياسات الداخلية ( الرأي العام
، الموقع الجغرافي ، طبيعة النظام السياسي القيم الرئيسية للمجتمع ، الأحزاب ،
جماعات الضغط ) ويمكن إضافة الخبرة الوطنية في التعامل مع القضايا السياسية
الدولية، وهذه المتغيرات تكتسب أهمية كبرى لكن أهميتها القصوى يمنحها إياها صانع
القرار أي إدراكه لها ، لأنه أحيانا برغم أهمية كل هذه المتغيرات فإن إدراك صانع
القرار لبعض المواقف الدولية هو الذي يرجح ويطغى على السلوك الخارجي.
2 - البيئــة الخــارجيـــة :
2 - البيئــة الخــارجيـــة :
تشير لكل تلك
العوامل ( المتغيرات ) التي تتجاوز الحدود الإقليمية للدولة وتقع في إطار البيئة
الدولية : مثل(رد الفعل من قبل الدول الأخرى أي سلوك الوحدات الأخرى ،المحيط الجغرافي
، المجتمعات والثقافات ) وقد ركز سنايدر على كيفية الربط بين هذه المحددات (
العوامل ) الخارجية وبين الأحكام التي يؤمن بها صانع القرار أي كيف يفسر صانع
القرار هذه العوامل المؤثرة . و تتميز البئية الخارجية بالتغيير الدائم والمستمر وهو
ما يدفع لبروز عوامل جديدة تتطلب ردات فعل (استجابة /حلول) سريعة مثل حالة التحول
في النظام الدولي ،وهنا يبرز دور العامل الشخصي الذي يحدد شكل الاستجابة والكيفية
التي يجب التعامل بها .
أي أن الربط بين هذه العوامل المتغيرة وبين إدراك صانع القرار الخارجي يتشكل في (القيم ، المعتقدات ، التصورات الشخصية لصانع القرار ) وهناك مجموعة من العوامل البيئية الخارجية التي تشكل ضوابط في أهداف وتوجهات صانع القرار بغض النظر عن إدراكه لها مثل ( التطور التكنولوجي ، شبكة الاتصالات ، درجة الاندماج الاقتصادي ) وعموما هذه المتغيرات لا قيمة لها إلا من خلال إدراك صانع القرار [3] .
ثالثا : الوحدة التنظيمية لاتخاذ القرار ( الجهاز السياسي) :
أي أن الربط بين هذه العوامل المتغيرة وبين إدراك صانع القرار الخارجي يتشكل في (القيم ، المعتقدات ، التصورات الشخصية لصانع القرار ) وهناك مجموعة من العوامل البيئية الخارجية التي تشكل ضوابط في أهداف وتوجهات صانع القرار بغض النظر عن إدراكه لها مثل ( التطور التكنولوجي ، شبكة الاتصالات ، درجة الاندماج الاقتصادي ) وعموما هذه المتغيرات لا قيمة لها إلا من خلال إدراك صانع القرار [3] .
ثالثا : الوحدة التنظيمية لاتخاذ القرار ( الجهاز السياسي) :
تفرز هذه الوحدة
مجموعة من المتغيرات التي تؤثر في السياسة الخارجية لأن صناعة القرار تتم داخل
الأجهزة البيروقراطية التي تكون مقيدة بمجموعة من الإجراءات والقوانين وقواعد
السلوك السائدة داخل كل بيروقراطية، وفي حال تعدد هذه الأجهزة يتوقف الأمر على
قنوات الاتصال بينها، وهل ستلجأ إلى التشاور والتنسيق أم إلى المنافسة والإقصاء
والهيمنة.
وفي هذا الإطار يركز
سنايدر على: توزيع المسؤوليات بين البيروقراطياتو العلاقة بين الأجهزة البيروقراطية و طبيعة النزاعات التي تنشأ بينها و المصادر من حيث ( الوقت، الخبرة، المعلومات ) . وهناك ثلاث
أنماط من التفاعل موضحة في الشكل :
1 - التفاعل على
مستوى الحكومات .
2 - التفاعل على المستوى غير الحكومي ( المستوى المجتمعي ) .
3 - التفاعل داخل
المجتمع الواحد على المستويين الحكومي والغير الحكومي .
ولتوضيح هذه الأنماط يمكن تحديد أشكال التفاعل التالية :
1 - التفاعل بين البيئة الاجتماعية وعملية صناعة القرار يظهر تأثير القوى الاجتماعية على صناعة القرار .
2 - انعكاسات سياسة الخارجية للدولة على البنية الاجتماعية مثال : علاقة جيدة مع دولة جارة قد يكون له نفع مادي لهذه الدولة .
3 - العلاقات على المستوى المجتمعي ( الغير الرسمي ) ( علاقات تجارية ، إعلامية ، رياضية)
أي التفاعل بين المحيط الداخلي والمحيط الخارجي والحقيقة أنه في ظل العولمة والتحولات الجديدة زاد التشابك والتفاعل بين المجتمعات دون ضوابط[4] .
رابعا : تقييــم نمــوذج سنايدر :
1 - افتراض عقلانية صناع القرار الخارجيين أمر مناف للطبيعة الإنسانية
2 - وضع نموذج إجرائي يتقيد به صناع القرار قبل عملية اتخاذ القرار وهذا أمر تحكمي ( مناقض للموضوعية ) .
ولتوضيح هذه الأنماط يمكن تحديد أشكال التفاعل التالية :
1 - التفاعل بين البيئة الاجتماعية وعملية صناعة القرار يظهر تأثير القوى الاجتماعية على صناعة القرار .
2 - انعكاسات سياسة الخارجية للدولة على البنية الاجتماعية مثال : علاقة جيدة مع دولة جارة قد يكون له نفع مادي لهذه الدولة .
3 - العلاقات على المستوى المجتمعي ( الغير الرسمي ) ( علاقات تجارية ، إعلامية ، رياضية)
أي التفاعل بين المحيط الداخلي والمحيط الخارجي والحقيقة أنه في ظل العولمة والتحولات الجديدة زاد التشابك والتفاعل بين المجتمعات دون ضوابط[4] .
رابعا : تقييــم نمــوذج سنايدر :
1 - افتراض عقلانية صناع القرار الخارجيين أمر مناف للطبيعة الإنسانية
2 - وضع نموذج إجرائي يتقيد به صناع القرار قبل عملية اتخاذ القرار وهذا أمر تحكمي ( مناقض للموضوعية ) .
3 - لربط النهائي
بين نشاط صناع القرار الخارجي وبعض الظواهر مثل الصراع الدولي ، في حين أن هذا
الأخير قد ينشأ لأسباب أخرى كالتناقض في القيم والمصالح بين الوحدات السياسية .
4 - لم يعط مسألة اختلاف طبيعة النظام السياسي أهمية كبرى حيث نجد الاختلاف بين نشاطات صانعي القرار الخارجي من نظام شمولي إلى آخر ليبرالي تبعا لاختلاف الإيديولوجيات وهو ما يصعب من إمكانية استخدام نموذج سنايدر [5] .
الخاتمة :
4 - لم يعط مسألة اختلاف طبيعة النظام السياسي أهمية كبرى حيث نجد الاختلاف بين نشاطات صانعي القرار الخارجي من نظام شمولي إلى آخر ليبرالي تبعا لاختلاف الإيديولوجيات وهو ما يصعب من إمكانية استخدام نموذج سنايدر [5] .
الخاتمة :
أن عملية التنظير في
ميدان السياسة الخارجية وكغيرها في باقي الميادين الأخرى تحاول الوصول لبناء نظري
معين مبني على قواعد عامة بغية ايجاد أطر لتحليل السلوكات الخارجية للدول
وتفسيرها، وعلى هذا الأساس برزت النماذج النظرية لكل من سنايدر وروزنو وأليسون
التي عملت على وضع سياق عام من القواعد والنتائج والمقاربات لتقديم رؤية علمية عن
صانع القرار في حقل الساسة الخارجية من خلال دراسة دوافع قراراته وأهم المتغيرات
المؤثرة فيه، وكان يبدو من الناحية النظرية أن هذه النماذج قد قدمت اسهاما معرفيا
لكنها قد أثارت جملة من التساؤلات فباعتبار أن من شروط البناء النظري التعميم
والتجريد والموضوعية فقد قام كل نموذج على متغيرات جديدة ومستويات تحليلية محددة
تختلف عن سابقاتها وتتوصل الى نتائج معينة بالشكل الذي يعيق التواصل والاستمرار
بين هذه النماذج الامر الذي يفرض قطيعة معرفية في نوع من عدم التجانس مما يبعدها
عن أداء الوظيفة العلمية التراكمية و كما
أنه من جهة أخرى أغلب هذه النماذج جاءت لاعتبارات معينة ارتبطت أساسا بظروف الصراع
في الحرب الباردة ولذلك فمعظمها حاول تقديم تفسير للسلوكات الخارجية للدول الكبرى
طوال مرحلة الصراع .
تعليقات