التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقرير حول : مراكز الفكر و الرأى و تأثيرها فى السياسة الخارجية الأمريكية


المقدمة :
 أصبحت السياسة الخارجية للدولة الحديثة المعاصرة اليوم عملية معقدة و ذات جوانب عديدة متداخلة و أصبحت مسألة بناء سياسة خارجية ناجحة و القرار على خطة إستراتيجية ذكية موضوعا ليس بالهين و يتخطى القدرة المنفردة المستقلة للعدد المحدود من مؤسسات جمع و تحليل المعلومات في الدولة ذات الطبيعة البيروقراطية و كذلك القدرات و المواهب الفردية و الشخصية لمركز السلطة و اتخاذ القرار. لقد أصبحت هذه القضية عملية مشتركة و جهود منسقة و متراكمة لأكثر من جهة و طرف و تحظى فيها النخب المفكرة المؤطرة فيما اصطلح عليه مراكز الفكر( Think Tanks ) بدور هام و أساسي باعتبار أن هذه النخب تجمع بين ميزتين هامتين هما توافر العلم و الخبرة العملية المتراكمة من جهة و من جهة أخرى توافر الإمكانية و المستلزمات المادية و الوقت لأعمال الفكر و التحليل و التركيب و الاستنتاج لبناء النظرة الاستشرافية التي تعد أساسا"ضروريا" لأي استراتيجية و سياسة خارجية ناجحة .
لقد كان لمؤسسات الفكر و الرأي الـ (Think Tanks) دوراً بارز في صياغة السياسة الخارجية للدول المتقدمة بشكل عام و للولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص. و قد كان لهذه المراكز دورا" أساسيا في كثير من قضايا السياسة الخارجية الأمريكية في عموم الشؤون الدولية بصفة عامة، و تجاه منطقة الشرق الأوسط علي وجه الخصوص. لقد قامت هذه المؤسسات  التي َتعتبر بمثابة مراكز بحثية مستقلة  بصياغة  السياسة الخارجية  الأمريكية مع العالم لفترة تقارب مئة عام، و لكن و لكون مؤسسات الفكر و الرأي تقوم بمعظم وظائفها بمعزل عن أضوء وسائل الإعلام، فهذا يجعلها تحظى باهتمام يقل عن ما تحظى به المؤسسات الأخرى للسياسة الخارجية الأمريكية، مثل التنافس بين جماعات المصالح و المناورات بين الأحزاب السياسية و التنافس بين فروع الحكومة المختلفة. و علي الرغم من هذا الابتعاد النسبي عن الأضواء فإن مؤسسات الفكر و الرأي تبقى حقيقة تؤثر بشكل ديناميكي تفاعلي على صانعي السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية و من خلال عدة جوانب و بوسائل مختلفة .
مراكز الفكر :
1 – تعريفها و سماتها  :
 مراكز الفكر    Think Tanks و التي تدعى أحيانا بمعاهد السياسة  Policy Institute   وقد عرفها جايمس ماكجان على أنها عبارة عن : كيان ، مجموعة ، مؤسسة ، معهد ، هيئة (حكومية أو غير حكومية) وظيفتها القيام بإجراء الدراسات و البحوث العلمية المركزة و المعمقة و محاولة إيجاد الحلول للمعضلات المتعلقة بمواضيع ذات طابع اجتماعي سياسي أو قضايا الاستراتيجية السياسية أو القضايا المتأثرة بالتطورات العلمية و التكنولوجية و القضايا العسكرية . فهي فيما يخص القضايا التابعة للحكومة تتدخل أحيانا في تخطيط السياسات الاجتماعية و الدفاع الوطني. و فيما يخص القضايا التابعة للمواضيع التجارية تتدخل في التطويرات و التجارب التكنولوجية و البضائع و المنتوجات الجديدة و تعتمد مصادر تمويلها على المنح و الهبات النمطية و المشاريع الخيرية و كذلك العقود بالإضافة إلى التبرعات الفردية الشخصية و العوائد من إنجازها للتقارير و البحوث لصالح جهات محددة مقابل مبالغ مالية و يرى جايمس أن مراكز الفكر تتواصل مع جملعات الضغط و الأحزاب و المنظمات غير الحكومية حيث يتم إعتبارهم جسر الوصل بينهم وبين صانع القرار و بينت هذه الأطراف الأخرى لتوضيح فكرتهم من خلال صياغة الأفكار فى شكل كتب أوتقارير أو محادثات غير رسمية  .
و يعرفها أندرو ريتش على أنها منظمات مستقلة و ليس لها قاعدة شعبية و غير ربحية حيث أنها تعمل على أنتاج الأفكار و مشاركة الخبرة لدعم ومساعدة و التأثير على صانع القرار حيث يرى أنها مختلفة عن جماعات الضغط التى يكون لها ظهير شعبى أو فئة من الجمهور و نادراً ما يتم تعريفها على أنها لها مصالح يسعون لتحقيقها .
إن كثير من هذه المؤسسات هي كيانات غير ربحية (و إن لم يكن ذلك صفة أساسية ملازمة لها بشكل تام) يتم تمويلها كما في الولايات المتحدة الأمريكية و كندا عبر برامج الإعفاء الضريبي، فيما هناك الكثير الأخر من هذه المراكز و المؤسسات يتم تمويلها عبر الدعم و التخصيص الذي تحصل عليه من الحكومة أو من مجموعات المصالح و هيئات المال و الأعمال كذلك فان هذه المراكز و المؤسسات تتحصل على قسم من مدخولاتها من العائدات التي تتقاضاها جراء الاستشارات و البحوث التي تشرف عليها و تنجزها [1].
2 - نشأة و التطور :
1 -  بداية  مراكز الفكر و الرأى  1830-1945م :
منذ أن انتشر تداول مصطلح مؤسسات  مراكز الفكر مطلع الخمسينات من القرن الماضي و حتى الآن لا يزال هناك نقاش حول البدايات التي شكلت نقطة الانطلاق لهذه المؤسسات و مسار تطورها الأولي ، حيث يرى بروكى ويليامز ظهرت فى الماضى منذ قرنين ونصف فى أثينا القديمة حيث أنه من خلال الأجتماعات التى يتم عقدها بشكل دائم بين الفلاسفة لمناقشة السياسة العامة و تبادل المعلومات والمعرفة من أجل المصلحة العامة يختلف قليل من المؤرخين وعلماء السياسة حول نشأة الأحزاب السياسية واتحادات العمال في الولايات المتحدة ولكن هناك إجماع محدود حول متى بدأ تأسيس أول مراكز الفكر. ففي حين يتمسك البعض أن مراكز الفكر التقليدية أو الكلاسيكية قد أسست خلال أوائل القرن العرشين فإن آخرين يؤكدون أن بذور المعاهد المعاصر قد خطط قبل مدّة طويلة من نهاية القرن التاسع عشر. ووفقاً لبول ديكسون Paul Dickson الذي كتب دراسة مهمة حول مراكز الفكر عام 1970م. الذي يقول إنه ثمة دليل يقترح أن معاهد البحث بدأت في تقديم النصح للحكومة الأمريكية في وقت مبكر يرجع إلى الثلاثينيات من القرن التاسع عشر. ويصر ديكسون على أن العلاقة بين مراكز الفكر والحكومة الأمريكية بدأت عام1832م عندما واجه وزير الخزانة Pesky استمرار انفجار غلايات البخار في القوارب البخارية التجارية الأمريكية حيث تعاقد مع معهد فرانكلين Franklin في فيلادلفيا للقيام  بدراسة المشكلة. ومنذ ذلك الحين لا زالت الحكومة تدفع أكثر فأكثر للقدرات العقلية كل عقد من السنين"
اختار ديكسون عام 1832 كنقطة انطلاق لدراسة نمو اعتماد  الحكومة على مراكز الفكر لحل الكثير من المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية ومع ذلك أخفق ديكسون في تقديم مبرر لبداية لتحليله في هذا التاريخ بالتحديد. وبالإضافة إلى ذلك فإنه أهمل تقديم أي توثيق لدعم تسلسله التاريخي لأوائل مراكز الفكر. ومن المشكوك فيه أن معهد فرانكلين كان حقاً أو ل مؤسسة تقدم للباحثين أي فرصة لتقديم نتائج بحوثهم للمسؤولين الحكوميين. وبالإضافة إلى ذلك ونظراً لأن العديد من المؤسسات التعليمية الرئيسية قد وجدت في الولايات المتحدة الأمريكية قبل عام 1832 بما فيها جامعة هارفارد (1636) وجامعة ييل Yale (1701م) وجامعة برنستون (1746م) وجامعة كولومبيا (1754م) وجامعة براون (1764م) ليس فقط مفهوماً ولكن محتملاً جداً أن المسؤولين الحكوميين طلبوا خبرة أفراد أكاديميين أو أقسام علمية كانوا مرتبطين بها. وبتعبير آخر فإن غياب مؤسسات البحوث المستقلة وغير الربحية ذات المرافق الخاصة قبل عام 1832م لا يمكن وحده أن يستخدم كمقياس لقياس التفاعل بين المثقفين والحكمة. وسواءً في القاعات الفخمة للجامعات الراقية ومراكز الفر أو في قاعات المؤتمرات في مقر الحكومة فإن العلماء قد ناقشوا وتناظروا في قضايا السياسات مع مسؤولي الحكومة لما يزيد على مائتي عام. ففي حين لم ينظر الأكاديميون بوعي إلى أنفسهم خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر كأعضاء في رابطة معينة أو مهد يدمون آراءهم ووجهات نظرهم مع زملائهم والقادة الحكوميين فإنهم مارسوا الكثير من المهمات التي تميز مراكز الفكر المعاصرة ونتيجة لذلك فإن افتراض أن أصول مراكز الفكر تتوافق مع إنشاء المراكز المادية التي احتضنت المفكرين سيكون خادعاً.
إن تطور وتحسين انتشار الأفكار لم يبدأ بإنشاء معهد فرانكلين كما يرى ديكسون ولكن سبقت إنشاء الجمهورية الأمريكية. ومع ذلك فإن دراسة ديكسون الرائدة تشبه الكثير من الدراسات التي تلت  فإن ديكسون يخصص إشارة  سريعة للنشوء التاريخي لمراكز الفكر قبل الانطلاق لتقديم تحليل مفصل لمراكز البحث ذات المكانة الرفيعة مثل مؤسسة راند (تعرب بـ راند الآن) ومعهد المدن. وحتى نكون منصفين لديكسون فمن الصعب التحديد بأي درجة من التأكيد أي رابطة أو حركة سياسية تستحق أن ينظر إليها على أنها أول مركز فكر. ومن الممكن مع ذلك أن نلقي الضوء على تلك المنظمات التي من الممكن أنها خدمت كنماذج لمثل معاهد بحوث السياسات مثل معهد بروكنجز ووفقية كارنيجي للسلام الدولي، ومجلس الشؤون الخارجية.
وتقدم الدراسة التي نشرت بين عقدين من الدراسة الشاملة التي قدمها ديكسون حول مراكز الفكر الأمريكية جاءت الدراسة الغنية بالمعلومات لجيمس سميث James Smith  حول ظهور خبراء السياسات في القرن العشرين لتملأ كثيراً من الفجوات التاريخية التي تركها سابقوه. وعلى الرغم من أن سميث يتفق مع ديكسون على أن جذور مراكز الفكر يمكن إرجاعها إلى القرن التاسع عشر لكنه يرى أنه لم يحدث أن بدأ الأكاديميون لاتخاذ الخطوات الأولى نحو إنشاء مؤسسات بحثية مستقلة إلّا بعد ستة أشهر من نهاية الحرب الأهلية. ووفقاً لسميث فإنه لم يبدأ المثقفون في إدراك الفوائد التي من الممكن استخلاصها من تقاسم خبراتهم إلّا بعد أن اجتمع حوالي مائة شخص بمن فيهم الكتاب والصحفيون والمربون والعلماء والمسؤولون الحكوميون في دار الحكومة في ولاية ماساتشوستس في أكتوبر 1865 لمناقشة الوسائل لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للفرد الأمريكي.
وكوّن الممثلون الذين اجتمعوا تحت مظلة الرابطة المؤسسة حديثا وهي الرابطة الأمريكية لتشجيع العلوم الاجتماعية (اختصرت فيما بعد إلى الرابطة الأمريكية للعلوم الاجتماعية ASSA)وشكلوا رابطتهم على نموذج بريطاني أسس عام 1857م "للبحث في تقديم النصيحة ودعم الإصلاح الاجتماعي" وتعهدوا بتطبيق نظام الرابطة فإن الأعضاء سعوا ليس فقط لدعم الإصلاح الاجتماعي ورفع المستوى المهني لعلماء الاجتماع ولكن أيضاً مد نفوذهم أبعد من الفصول الدراسية.
وواصلت الرابطة الأمريكية للعلوم الاجتماعية تقديم منتدى مهماً لعلماء الاجتماع والمسؤولين الحكوميين لمناقشة السياسات العامة في العقود التي تلت تأسيسها، وأسهمت كذلك في إنشاء مؤسسات أخرى أكثر تخصصاً مثل الرابطة الأمريكية التاريخية التي نشأت عام 1884م والرابطة الأمريكية الاقتصادية التي أسست عام 1885م  وظهرت رابطات مهنية أخرى خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وذلك في الوقت الذي ارتفع عدد الخبراء الذين تخرجوا في الجامعات. ونتيجة لذلك زادت التطورات تحو تأسيس روابط أكثر قرباً بين محللي السياسات والمسؤولين الرسميين.
ويرى وليام دومهوف William Domhoff صاحب العديد من المؤلفات حول تكوين ومكونات النخبة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية أن إنشاء الروابط المهنية قم بدور مهم في تكوين روابط قوية بين علماء الاجتماع. ويرى دمهوف أن تأسيس منظمتين في مجال تطوير الأعمال قرب بداية القرن العشرين سمحت للمعاهد بالوصول إلى مجتمع صانعي السياسات. ووفقاً لدومهوف فإن إنشاء فيدرالية شيكاغو المدنية  Chicago Civic Federation عام 1894م ولاحقتها الفيدرالية المدنية القومية(National Civic Federation) التي تأسست عام 1900م كانا ضمن أول المعاهد البحثية التي أسست اتصالات مؤسساتية رسمية مع الوزارات المحلية والقومية والفيدرالية.
وكان الغموض المتنامي باتساع رقعة الفساد وسوء الإدارة في الشؤون البلدية وكذلك الاهتمام باغتيال رئيس بلدية شيكاغو كارتر هاريسون Carter Harrison قد أقنع مجموعة من قادة المجتمع لإنشاء فيدرالية شيكاغو المدنية وانطلاقاً من خبراتهم كأعضاء في العديد من المجموعات الإصلاحية في مال الأعمال فإن المؤسسين ضموا متحدثين ماليين وعماليين وأكاديميين أسسوا المنظمة على أنها "غير حزبية" وغير سياسية وبصفتها مجموعة عمل تطوير المصالح البلدية والخيرية والصناعية والأخلاقية"
ونجحت الفيدرالية في السنة التالية في تحقيق الكثير من أهدافها المعلنة. وقد أسست عدداً من اللجان للبحث في مشكلات عدة في الحكومة المحلية بما في ذلك تزوير الانتخابات وتسجيل الناخبين وأوصت بعدد من الإصلاحات المفيدة. ومع ذلك ففي أواخر التسعينيات من القرن التاسع عشر قام بعض الأعضاء بالتعبير عن عدم رضاهم أن يقتصروا على السياسات البلدية. وبحلول عام 1899 عقدت الفيدرالية أربعة مؤتمرات حول موضوعات تمتد من مفاوضات العمال عام 1894 إلى السياسة الخارجية عام 1898م. وبعد مؤتمر حول الصناديق الاستثمارية بعد سنة بدأت الفيدرالية التخطيط لإنشاء فيدرالية قومية. وفي هذه المرحلة من تاريخ فيدرالية شيكاغو فقدت أهميتها القومية وحل محلها الفيدرالية المؤسسة حديثاً وهي الفيدرالية المدنية القومية.
وقد استطاعت الفيدرالية تحت قيادة الأمين العام السابق لفيدرالية شيكاغو رالف إيزلي Ralph Easley جذب عدد كبير من الأعضاء المؤثرين المكونين من المسؤولين الحكوميين وممثلي العمال وأساتذة الجامعات ورجال الأعمال ذوي التوجهات الإصلاحية بمن فيهم أندرو كارنيجي Andrew Carnegie وإي إى فيلنس E. A. Felenc وجيرارد سووب Gerard Swope وفي إيفريت ميسي V. Everett Macy  وجورج بيركنز George Perkins ووفقاً لجيمس سميث فإن الفيدرالية القومية أصبحت "النموذج للمنظمة البحثية في التجارة والسياسة" والتي كان يدفعها هدف واحد وهو"تشيع تشريع وإحداث تأثير في احتضان الأعمال والعمال بتسيير المركبة في منتصف الطريق بين الاشتراكية في الحركة العمالية والحركة التي لم يتم تأسيسها الداعية إلى دعه يعمل دعه يمر"  وقد أسست الفيدرالية نفسها كقوة رئيسية في تشكيل السياسة المحلية حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، ولكن بحلول أوائل العشرينيات من القرن العشرين أصبحت أكثر قليلاً من مجرد لقاء لرجال الأعمال وقادة العمال لمناقشة الاهتمامات المشتركة ولم يعد ينظر إليها كمعهد  بحثي مؤثر ترك بصمة على التشريعات العمالية. وعلى الرغم  من أن إيزلي كان مسؤولاً إلى حد كبير عن صعود الفيدرالية القومية فيبدو أن "توجهاته العسكرية والمعادية للاشتراكية  قد أسهمت في تراجعها. وكما صعد نجمي الفيدرالية القومية فيدرالية شيكاغو ثم بدأ بالخفوت تدريجيا من السياسات القومية حيث بدأت منظمات تهتم بتخطيط السياسات وملتزمة بتطوير الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد  في أن تحل محلهما.
كان ريتشارد إلي Richard Ely الأمريكي المولد الاقتصادي الذي درس في ألمانيا كان هو المسؤول عام 1904م إلى حد كبير عن نشأة الرابطة التاريخية الأمريكية والرابطة الاقتصادية الأمريكية وكذلك جون أر كومنز John R. Commons أستاذ الاقتصاد بجامعة وسكنسن جمعا خبراتهما لإنشاء مكتب البحث الصناعي، وبمساعدة مجموعة من الاقتصاديين علماء الإحصاء بالدعم المالي من عدد من رجال الأعمال من بينهم كارنيجي أصدر كل من إلي و كومنز دراسة من عدة  مجلدات حول العمل والصناعة بعنوان "التاريخ الوثائقي للمجتمع الصناعي الأمريكي" وزيادة على ذلك ففي عام 1906 اشترك مع إيلي عدد من الاقتصاديين ورجال أعمال إصلاحيين لإنشاء "الرابطة الأمريكية للتشريعات العمالية" التي سعت نحو تجانس القوانين المحلية والولائية وفي النهاية التشريعات الفيدرالية حول العمال " التعويض والحد الأدنى للجور واقتراحات التدريب في أثناء العمل"
وعلى الرغم من تنوع معاهد البحوث التي ظهرت في العقود الأولى من القرن العشرين فإنها تبدو مشتركة في صفتين أولاهما أنها تشبه كثير من مراكز الفكر المعاصر التي تأسست في بداية القرن العشرين لا تستطيع البقاء ودون دعم متواصل من مساندين كرماء، والصفة الثانية أنه بينما كثير من معاهد البحوث في بداية القرن حاولت أن تحول البحوث المتعلقة بالسياسات إلى سياسات حكومية فإن البعض مال إلى التخبط في السر بين البحث غير الجاد والترويج السياسي" وهي صفة ترتبط بمراكز الفكر الترويجية التي أنشئت في أواخر الستينيات من القرن العشرين، ومع ذلك فإنه بالنسبة لبعض خبراء السياسات مثل جون كومنز إذا كانت معاهد البحوث متمسكة بالمحافظة على موثوقيتها الفكر عليها أن تتجنب بوعي تقديم النصائح في السياسات التي ترضي أجندتها الأيديولوجية. ونظراً لكنه قد طرد من جامعة سيراكيوز لمواقفه المتطرفة المتهم بها فإنه كان على علم كبير بالمشكلات التي يمكن أن تبرز عندما يحاول أكاديمي أن يخدع سياسي. يقول كومنز "لقد تعلمت مع إيزلي كما بدأت سابقاً أن أتعلم (مع زملاء آخرين)" أن مكان الاقتصادي أنه مستشار للقادة إن هم أرادوا وليس مروج الدعاية للجماهير"  وكما يشير سميت:"أعتقد كومنز أن التجربة العملية وحدها هي التي يمكن أن تعلّم السياسيين كيف يتجنبوا نصيحة المستشارين ويكون السياسيون بالتالي أحراراً لاستخدام النصيحة كما يرون ذلك مناسباً"  ويستنتج كومنز: لقد كانوا قادة وكنت مفكراً"
وتعلم كومنز في الوقت المناسب أن يدرك الخيط الرفيع بين تقديم نصيحة محايدة في السياسة والانخراط في الترويج السياسي. لقد كان إنشاء منظمة خيرية مثل مؤسسة كارنيجي ومؤسسة روكفلر في بداية القرن العشرين، واستعدادهما لدعم العديد من المعاهد قد أسهمت أيضاً في إيجاد رابط أكثر استقراراً وديمومة بين خبراء السياسات والحكومة. وكان توفير أوقاف بملايين الدولارات لمعاهد البحوث. وبالتالي أمناً مالياً طويل الأمد سمحت لمراكز الفكر أن تخصص وقتاً أكبر لتقوية روابطها مع المسؤولين الحكوميين، وفوق ذلك فعلى خلال معاهد بحوث السياسات التي استمرت في الاعتماد على مساعدة عدة مؤسسات وأفراد فإن المعاهد التي تجد الدعم من قبل وقفيات بيرة بعدة ملايين أقل عرضة للضغوط الحزبية من قبل المتبرعين، وعلى الرغم من أن بعض المؤسسات الخيرية قد رفضت في مناسبات أن تجدد منحها لمعاهد البحوث  والوقفيات المالية من الصعب إن لم يكن من المستحيل سحبها. إن العلاقة المهمة والجدلية أحياناً بين المؤسسات الخيرية والمعاهد البحثية المختلفة سوف يتم مناقشتها وفقاً لذلك.
إن نشاطات الفيدرالية القومية وفيدرالية شيكاغو المدنية والعديد من المعاهد البحثية التي تستحق التسجيل في التاريخ المبكر لمراكز الفكر الأمريكية، ولكنه في العقدين الأولين من القرن العشرين هي التي بدأت يظهر فيها تأثير معاهد بحوث السياسات. وقد تركت خمسة مراكز بصفة خاصة أثراً باقياً على السياسات الدولية والمحلية قبل وبعيد الحرب العالمية الأولى وهي: مؤسسة رسل ساج Russell Sage (1907م) ومؤسسة كارنيجي للسلام الدولي (1910م) ومعهد بحث الحكومة Institute for Government Research (1916م) ومؤسسة هوفر Hoover(1919م) مجلس الشؤون الخارجية .
لقد تأسست هذه المنظمات تحت ظروف مختلفة وغالباً غير عادية، ولكن كل منها ستكون بهدف توفير جو يشجع الباحثين على البحث في القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبينما جذبت هذه المعاهد خبراء السياسات الملتزمين بنطاق واسع من المعتقدات السياسية، فإن المنظمات نفسها لم تكن من المقصود أن تتحول إلى ميادين لمعارك أيديولوجية. وفي أوقات أيد بعض أفراد من الباحثين أو عارضوا سياسة الحومة ولكن الهدف الأساس لهذه المعاهد لم يكن للتدخل عمداً في عملية اتخاذ القرار، ولكن تقديم مصدر مهم لخبرات السياسات. وزيادة على ذلك فإن قدرات هذه المنظمات أن تحول النصيحة العلمية إلى اقتراحات تشريعية صلبة وتنفيذي فيبدو أنها اعتمدت إلى حد كبير عل نوعية البحث، وكذلك على مدى ارتباطاتها بالمسؤولين الحكوميين، وسوف يوضح التحليل الموجز لأصول هذه المنظمات سابقة الذكر ونشأتها، وكيف أن هذا الجيل من مراكز الفكر كانت قادرة على أن تصبح جزءاً أساسياً من مجتمع صناعة القرار [2].

2 - ولادة المتعاقدين الحكوميين والمتخصصين 1946- 1970 :
وفي الوقت الذي استمر مجلس الشؤون الخارجية ومعاهد البحوث الأخرى في تقديم النصح لصانعي القرارات في السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى والثانية فإن جيلاً جديداً من مراكز الفكر قد بدأت تظهر في الأفق. لقد أسهمت الجمعيات الخيرية والمؤسسات والأفراد العاديين في تأسيس كثير من مراكز الفكر ودعمها خلال العقود الأولى من القرن العشرين. وبعد الحرب العالمية الثانية بدأت حكومة الولايات المتحدة في الاشتراك في دور الراعي المتبرع. واعترافاً منها بالإسهام القيم لعلماء الدفاع خلال الحرب فإن الحكومة الأمريكية أدركت الفوائد الضخمة التي من الممكن أن تحصل عليها من مراكز البحث الخاصة والجامعية وكذلك مراكز التطوير. ومن خلال الدخول المنافسة على خبرات المهندسين والفيزيائيين وعلماء الأحياء وعلماء الإحصاء وعلماء الاجتماع تطلع موظفو الحكومة إلى مواجهة التحديات التي تواجه الولايات المتحدة وهي تتولى دور القوة المهيمنة في العالم .
هنا يبرز تاريخ نشوء مؤسسة راند الأمريكية  RAND  في عام 1946 م باعتباره  جزء مهم  في تاريخ ظهور و تطور هذه الكيانات و في إطار هذا النشاط ، حيث بدأت هذه المؤسسة عملها لخدمة شركة دوغلاس للطائرات ثم أصبحت مؤسسة مستقلة عام1948  اهتمت بطيف واسع من المواضيع و القضايا الإستراتيجية العسكرية و السياسية و الدبلوماسية بالغة الحساسية و البحث في أسسها و قواعدها. إن الفترة الزمنية الطويلة التي امتدت منذ العام  1831 م الذي مثل أول تاريخ لظهور هذا النمط من المؤسسات في صورتها الأولية البدائية عبر ولادة المعهد الملكي البريطاني  RUSI  و حتى العام  1948 م الذي مثل ظهور النمط المتكامل بالغ النمو لها عبر مؤسسة راند  الأمريكية RAND  قد شهدت نمو و تطور هذا النمط من المؤسسات في مختلف الجوانب و المستويات و ازدياد عددها و قد مثل ظهور مؤسسة مجلس العلاقات الخارجية   CFR فى العام 1921 م على يد الرئيس الأمريكي الثامن و العشرون ويدرو ويلسون  حدثا مهم في تاريخ نشوء و انطلاق هذا النمط من المؤسسات لأنه مثل رعاية رئيس الدولة في النظام الديمقراطي للنخبة المثقفة و ذات الخبرة .
حتى العام 1940 كانت هذه المراكز و المؤسسات تعمل تحت عنوان ( معهد / مؤسسة (  و خلال فترة الحرب العالمية الثانية عرفت بأنها صناديق الأدمغة(Brains Boxes) بعد أن شاع عنها في الشارع و بين الجماهير مصطلح الجماجم  ( Skulls) إن أول ظهور لمصطلح  مراكز الفكرThink Tanks يرجع للشارع الأمريكي زمن الحرب حين كان يسمي الغرف التي تناقش فيها الخطط الاستراتيجية للحرب بهذا الاسم و ان أول تداول رسمي أكاديمي لهذا المصطلح يمكن ملاحظته خلال سنوات الخمسينات من القرن الماضي.
 3 - من بحث السياسات إلى الدعاية السياسية1971-1994م :
استمر معهد بروكنجز ومجلس الشؤون الخارجية وكثير من معاهد البحوث في تخصيص نصيب كبير من مصادرها في فحص قضايا السياسات العامة في العقود التي تلت الحرب. إن رغبتهم في تقديم خبرة سياسية  محايدة(إذا كان هذا ممكناً فعلاً) للمسؤولين الحكوميين من أجل خدمة الصالح العام لن يكون مع ذلك قابلاً للتوريث إلى الجيل التالي من مراكز الفكر. وفي حين أن كثيراً من مراكز الفكر التي ظهرت حديثاً قد أسست برامج موثوقة فإن هدفهم الأساس لم يكن تقديم بحوث اجتماعية وإنما لتقديم أجندتهم الأيديولوجية في الساحة السياسة باعتمادهم على أساليب ضغط متعددة لتسويق أفكارهم فإن مراكز الفكر الترويجية بدأت في إرساء جذورها في وحول العاصمة القومية. ولكن لماذا حدث الانتشار الواسع لمراكز الفكر بعد الحرب العالمية الثانية. وبصفة خاصة لماذا ظهر  هذا العدد الكبير من مراكز الفكر المتخصصة في السياسة الخارجية؟ هناك عدد من التفسيرات الممكنة والتي تستحق الاستكشاف.
أولاً: نتيجة لتولي الولايات المتحدة مسؤولية القوة المهيمنة بعد الحرب العالمية الثانية كان عليها أن يزداد اعتمادها على محللي السياسات لتقديم التوجيه لكيفية ممارسة العلاقات الخارجية،وبالإضافة إلى ذلك ففي حين توسعت البيروقراطية الأمريكية إلى حد كبير بعد الحرب وكذلك فرص لخبراء السياسات ليقدموا رؤاهم للمسؤولين الحكوميين. ويقل الدكتور دينيس بارك Dennis Bark كبير زملاء في مؤسسة هوفر أن مجموعة هذه العوامل سمحت لمراكز الفكر مثل راند ومجلس الشؤون الخارجية ووقفية كارنيجي للسلام الدولي ليكون لهم أثرر ضخم على سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية خلال هذه الفترة.
إن إمكانية الوصول المعتبرة التي حققتها مراكز الفكر هذه لدى صانعي السياسات خلال النصف الأول من القرن العشرين ربما كانت هي التي أوحت بإنشاء معاهد بحوث أخرى مصممة على ترك أثرها في السياسة الخارجية للولايات المتحدة. ومع ذلك فإن الكثير من المستشارين الأكثر بروزاً في السياسات الخارجية للرؤساء بعد الحرب العالمية الثانية مثل جورج كينان ودين أتشيسون وهنري كيسنجر وزبيقنو برازنسكي وما كجورج بندي ودين راسك من بين الكثير الذين حققوا مكانة قومية سامية فقد كانوا يعملون في جامعات أو في الخدمة الخارجية فمن الصعب المجادلة أن نجاحهم كان هو المحرك الوحيد للأفراد لإنشاء العشرات من مراكز الفكر في مرحلة ما بعد الحرب.
وربما كان تأثير الحركات المعادية للحرب وحركات الحقوق المدنية في صحوة الضمير العام هي التي قادت إلى الاضطراب الاجتماعي والسياسي داخلياً وخارج أمريكا هو الذي أسهم في انتشار مراكز الفكر وليس على خلاف مجموعات المصالح المحركة للتأييد الجماهيري ضد حرب فيتنام فإن كثيراً من مراكز الفك بما فيها –وليس قاصراً عليها- مثل معهد دراسات السياسات قد أنشئت لتزويد الباحثين بالفرصة لتحدي الدوافع وراء سياسات أمريكا الداخلية والخارجية.
وشبيهاً بذلك فخلال أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات حيث أصبح  العديد من الأكاديميين المحافظين في حيرة لما عدّوه نمو التحيّز الليبرالي بين أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الأمريكية وظهر الطلب المتزايد على معاهد بحوث مستقلة. ويصر الدكتور توماس هنريكس كبير الباحثين في معهد هوفر أن مراكز الفكر مثل معهد الدراسات المعاصرة (1972)ومؤسسة هيريتج (1973م) ومعهد كاتو (1977) قد أسست لتسمح للأكاديميين المحافظين أن يواصلوا مصالحهم البحثية في جو أكثر تشجيعاً هذه ملاحظة تتوافق مع التصريح الذي أطلقته السيدة جين كيرباتريك سابقاً
إن التمويل الرسمي والإعفاء من الضرائب للمنظمات غير الربحية قد وفر كذلك تشجيعاً للعاملين في السياسة والقادة السياسيين والمسؤولين المتطلعين لإنشاء مراكز فكر خاصة بهم.واستطاع مؤسسو معاهد البحوث من خلال تأسيس مراكز فكر خاصة بصفتها مؤسسات غير ربحية واستخدام تقنيات البريد المباشر وغالباً مساعدة  قادة سياسيين مرموقين حثوا القطاع الخاص والمؤسسات الخيرية والمواطنين العاديين للإسهام بآلاف الدولارات لدعم وترويج أيديولوجيتهم ووجهات نظرهم السياسة حول قضايا السياسات المحلية والدولية. ويمكن أن يكون مما ساهم في تمويل مراكز الفكر وفقاً لبعض الخطابات التي تطلب الدعم المالي أن توفر للمؤسسات والأفراد مزيداً من الوصول إلى صانعي القرار.
وبالإضافة إلى الثغرات العديدة في النظام الضريبي والرغبة المتزايدة لدى خبرات السياسات مواصلة بحوثهم في أجواء أكثر كرماً فإن انتشار مراكز الفكر يمكن إرجاعها لتراجع دور الأحزاب السياسي في الولايات المتحدة. وكما أشار كنت ويفر كبير الباحثين في بروكنجز وأستاذ السياسة العامة في جامعة  جورج تاون أن "الأحزاب الضعيفة وغير المؤدلجة قد شجعت دور مراكز الفكر من عدة نواح إن أهم تأثير للنظام الحزبي الأمريكي أن الأحزاب نفسها لم يكن لها دور رئيس في تطور السياسات من خلال إنشاء أذرعة ذات حجم خاصة بها. وقد أسهمت مراكز الفكر في ملأ هذا الفراغ"
وعلى عكس ما حدث في ألمانيا حيث أنشأت الأحزاب الألمانية مؤسساتها السياسية لتقوم ببحث السياسات وأن صانعي القرارات في الولايات المتحدة في البيت الأبيض وفي مقر الحكومة لم يستطيعوا الاعتماد على خبرات المؤسسات الحزبية ولكن كان عليهم البحث عن النصيحة من مصادر متعددة. إن غياب المعاهد الحزبية والتراجع في أهمية الأحزاب السياسية في الولايات المتحدة بالاشتراك مع النظام السياسي المجزئ واللامركزي قد وفرت لمراكز الفكر فرصاً معتبرة لتسويق أفكاها. وسوف نستكشف في الفصل الرابع بالتفصيل المدى الذي مكن البناء المؤسساتي للحكومة الأمريكية مراكز الفكر لممارسة التأثير في السياسات.
إن الانفجار الافتراضي لمراكز الفكر الترويجية منذ بدايات السبعينيات لم يسهم فقط في تسييس الخبرات السياسوية وإنما أهم من ذلك حول العلاقة بين مراكز الفكر والحكومة وفي الوقت الذي ازداد فيه إسهام مراكز الفكر في مجتمع صناعة السياسة فإن الاستراتيجيات التي استخدموها لزيادة طهورهم قد تغيرت دراماتيكياً وبدأت أولويات مراكز الفكر تتغير في بيئة حيث كان عليهم أن يتنافسوا للفت انتباه صانعي السياسات والإعلام. وأصبح الاهتمام الأساس للجيل الجديد من مراكز الفكر هو أن يقدموا لصانعي السياسات نصيحة مناسبة وفي الوقت المناسب أكثر من الدخول في بحوث علمية طويلة المدى.
وأصبحت مؤسسة هيريتج التي احتفلت مؤخراً بمرور ثلاثين سنة على تأسيسها ينظر إليها على أنها النموذج لمراكز الفكر الترويجية بسبب رغبتها العارمة التزامها لتحويل أجندة معهدها إلى حقيقة سياسية. ومن مكتبها الجديد الذي تمت توسعته ليشبه المكاتب الحكومية والي يقع على بعد دقائق من مقر الحكومة تركت المؤسسة علامة فارقة في مجتمع صناعة السياسات لقد لعبت مؤسسة هيريتج دوراً رئيسياً بصفتها داعم قوي لاقتصاديات السوق ومعارض عنيف صلت للدفاع الصاروخي. لقد كان ينظر إلى الترويج السياسي سلبياً من قبل مراكز الفكر الأكثر تقليدية ولكن هيريتج  لم تجعل ذلك مقبولاً فحسب ولكن أمراً مرغوباً لدى بعض صانعي السياسات. إن نجاح المؤسسة في تسويق أفكارها ونشر مراكز الفكر الأكثر إفصاحاً أيديولوجيا في النصف الأخير من القرن العشرين يمكن إرجاعه إلى إنشاء معهد المشروع الأمريكي (أمريكان إنتربرايز) .
4 - رؤساء ومرشحو رئاسة وتراثهم 1980-2004م :
وفي الوقت الذي كانت مراكز الفكر الترويجية مثل هيريتج وكاتو قد بدأتا في جعل وجودهما ملموساً في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات فإن مراكز فكر أخرى كانت قد بدأت تجد طريقها في مجتمع صناعة السياسات، وهي التي أسسها رؤساء سابقون بهدف ترك أثر دائم بعد تركهم للمنصب الرسمي، وقد بدؤوا في إنشاء مراكز فكر صغيرة ولكنها حسنة الإدارة والتمويل في بيئة تزداد ازدحاماً. وعلى الرغم من أن القليل قد كتب عن ما يسمى مراكز الفكر المؤسسة على المجد والترشيح فإن ظهورها المتنامي يستحق بعض الاهتمام.
بعد أربعة أعوام وربما ثمانية يخضعون فيها لفحص شديد فإن معظم الرؤساء في النصف الأخير من القرن العشرين غادروا مناصبهم الرسمية باحثين عن السلام والعزلة. وبالنظر إلى أن كل كلمة يقولونها وكل تعبير وجه يتم فحصها وتفسيرها من قِبل الصحافيين والباحثين ومن المشوق حقاً علماء النفس وبالتالي فلس من المفاجئ أن معظم الرؤساء السابقين يتفرغون لحب يشترك فيه ملايين الأمريكيين وهو رياضة الجولف. وكما أوضح كل من جون كينيدي وريتشارد نيكسون وجيرارد فورد وبيل كلينتون وجورج بوش (الأب والابن) أنه أكثر سهولة أن تضرب كرة الجولف من موضعها من الإجابة عن أسئلة حول قرارات سياسية جدلية. ولكن بالنسبة لبعض الرؤساء بمن فهيم من ذكرنا سابقاً كما هو مهم الاستمرار في هواية ترفيهية من المهم أو ربما الأهم أن تترك مجداً.
وفي الوقت الذي يُعِدُّ الرؤساء لمغادرة المكتب البيضاوي غالباً ما يُسأّلون عن كيف يرغبون أن يتذكرهم الناس. قد تكون إنجازاً في السياسة الخارجية مثل إقناع الاتحاد السوفيتي السابق أن يهدم جدار برلين أو ربما شيئاً أقل أهمية، ولكن مع كل ذلك له أهميته مثل الدعوة إلى الرعاية الصحية عالمياً. وبالنسبة لمعظم الرؤساء على الرغم من نواياهم الحسنة فإن المجد الذي يبدؤونه أثناء تولي المنصب نادراً ما يكون مكتملاً عندما يغادرون. ونتيجة لذلك ففي السنوات الأخيرة قام كثير من الرؤساء بإنشاء ما يطلق عليه مراكز فكر الاعتزاز والمجد على أمل أن يشجعوا الباحثين لمواصلة البحث في مجال يرونه جوهرياً. وثمة مركزان يقعان تحت هذا التصنيف الواسع وهما مركز كارتر في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا والمركز الذي يتخذ من واشنطن مقراً له وهو مركز نيكسون للسلام والحرية.
تأسس مركز كارتر عام 1982م من قِبل الرئيس الأمريكي السابق الفائز بجائزة نوبل للسلام وزوجته بالتعاون مع جامعة إيموري Emory مخصص "لتقدم حقوق الإنسان وإزالة المعانة الإنسانية غير الضرورية"ويسعى المركز من خلال موظفيه البالغين مائة وخمسين موظفاً يعملون دواماً كاملاً وجزئياً وميزانية تزيد على ست وثلاثين مليون دولار سنوياً "لمنع الصراعات وحلها وتشجيع الحرية والديمقراطية وتحسين الصحة" ومن أجل الوصول لهذا الهدف يركز الباحثون على قضايا تمتد من مراقبة الانتخابات وطرق حل الأزمات إلى الصحة العقلية للاجئين والأمراض الاستوائية.
إنّ الركن الأساس للسياسة الخارجية الأمريكية بالنسبة لجيمي كارتر يجب أن يكون الالتزام برفع المعاناة الإنسانية من خلال مساعدة التنمية والتعليم ودعم الصحة، وبالنسبة لريتشارد نيكسون من ناحية أخرى فإن على صانعي السياسة المكلفين بقيادة الولايات المتحدة عبر المياه المضطربة يجب أن يكون دائماً أمنها وحاجاتها الدفاعية بصفتها الأولوية القصوى.
وأما نيكسون فقبل وفاته بثلاثة أشهر وفي أبريل 1994م كان سقوطه من الحكم لا يزال يثير المؤرخين وعلماء السياسة حيث قام بتأسيس مركز نيكسون للسلام والحرية من أجل "أن يربط البرجماتية العنيدة والقيم الأمريكية الأساسية" ويقوم مركز نيكسون بقيادة رئيسه ديمتري سيمز Dimitri Sims المستشار السابق للرئيس نيكسون والباحث السابق في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي بالإشراف على أربعة برامج:دراسات المن القومي، والدراسات الصينية، والعلاقات الأمريكية الروسية والإستراتيجية الإقليمية (الشرق الأوسط وبحر قزوين وجنوب آسيا).
ويعمل كل من مركزي كارتر ونيكسون من جوانب عدة مثل مراكز الفكر المعاصرة بالربط بين بحوث السياسات والدعاية السياسية حيث يعقدون مؤتمرات منتظمة وحلقات بحث وينقلون آراءهم للإعلام المطبوع والمذاع وينشرون نتائج بحوثهم. إن الفرق الأساسي هو أن قوانينهم تشبه إلى حد كبير مصالح واهتمامات صانعي السياسات السابقين وليس أهداف مفسري السياسات في تحقيق تأثير في السياسة العامة. ومن المهم أن نلاحظ أن مراكز الفكر للمجد الشخصي ترتبط عادة بمكتبة رئاسية ونتيجة لذلك فإن هذه الأنواع من مراكز الفكر قد تنتشر ولكن بأعداد صغيرة في السنوات القادمة.
وقد تعرضت روابط العديد من السياسيين في السنوات الأخيرة  مع مراكز الفكر  إلى الفحص. فمثلاً أسس النائب بوب دول Bob Dole مؤسسة "أمريكا أفضل" كمؤسسة خيرية في أوائل التسعينيات ولكن بدا واضحاً بعد وقت قليل أنها كانت تستخدم "كمركز فكر للترويج للمواقف الجمهورية" بما فيها مواقفه نفسه. وكما أوضح  مركز السياسات الاستجابية:"أنفقت المؤسسة في عام 1994م مليون دولار على إعلانات تلفزيونية لإظهار صورة دول" وبعد عدة شكاوى من الديمقراطيين أن مؤسسة "أمريكا أفضل" تستخدم لدعم حملة دول الانتخابية عام 1996قام النائب من ولاية كانساس بإغلاق المؤسسة.
ولم تكن مؤسسة "أمريكا أفضل" هي المؤسسة الوحيدة التي كانت استهدفت لدعمها لسياسي ينافس على منصب حكومي. وقد خضعت مؤسسة لجنة العمل للحزب القديم الكبير (Grand Old Party) (Action Committee)(GOPAC)كذلك لفحص شديد بما في ذلك دعمها لشخصيات جمهورية بارزة مثل المتحدث السابق لمجلس النواب نوت جنجرجش (Newt Gingrich) على الرغم من اسمه فإن لجنة العمل للحزب الكبير القديم لم تسجل بصفتها وجدة عمل سياسية حتى شهر مايو عام 1991م بعد مدة طويلة من بدء تمويلها للمرشحين للكونجرس. " ووفقاً للقانون فإن المنظمات تعامل كلجان عمل سياسية عندما يكون هدفهم الأساس هو النشاط الانتخابي الفيدرالي " وحيث أن لجنة العمل أخفقت في التسجيل مبدئياً بصفتها لجنة عمل سياسية فإن "نشاطاتها المتعلقة بالانتخابات وترويجها لجنجريتش وهدفها لكسب غالبية جمهورية في ملس النواب جعل المنظمة لجنة عمل سياسية" وعلى الرغم من أن لجنة الحزب القديم الكبير دافعت عن نفسها بنجاح ضد اتهامات لجنة الانتخابات الفيدرالية فإن الجدلية أثارت عدة قضايا مشوقة بالنسبة للعلاقة بين مراكز الفكر والسياسيين. وقادت أيضاً إلى شكوك أكثر حول انخراط مراكز الفكر في الساحة السياسية.
 و بالتالى قد تم توضيح أربع موجات أو أجيال من مراكز الفكر. وقد أصبح واضحاً ضمن أشياء أخرى أنه بظهور كل جيل جديد من مراكز الفكر لم يحل محل الأجيال السابقة من مراكز الفكر بل وجدت فضاءً واسعاً للتعايش. ولا يعني هذا أن مراكز الفكر القديمة لم تتأثر بالتطور الذي حدث في مراكز الفكر المعاصرة وإنما استطاعت الأجيال الجديدة أن تحفر لنفسها مكاناً . وفي القسم الأخير من هذا الفصل سنقدم صورة أكمل لمراكز الفكر المتخصصة في السياسة الخارجية في الولايات المتحدة. وليس هدفنا أن نقدم ملفاً مؤسساتياً لكل مركز فكر يضع سياسات الخارجية والدفاع ضمن اهتماماته وإنما للتعريف بتلك التي ظهرت كلاعبين أساسيين في المشاركة في نقاشات السياسة الخارجية. وهكذا فإن العديد ن مراكز الفكر تركز على السياسة الخارجية تم فحصها بما فيها وقفية كارنيجي للسلام الدولي ومعهد بروكنجز ومؤسسة هوفر ومجلس الشؤون الخارجية ومعهد المشروع الأمريكي وراند ومؤسسة هيريتج. ويجب أن يضاف إلى هذه القائمة مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية ومركز سياسات الأمن و مشروع القرن الأمريكي الجديد ومعهد دراسات السياسات. وسوف يشار في الفصول القادمة إلى العديد من مراكز الفكر التي ترك على مناطق مخصصة من العالم بما فيها منتدى الشرق الأوسط ومعهد  واشنطن لسياسات الشرق الأدنى [3] .
أنواع مراكز الفكر :
نظراً لأنه لا يوجد إجماع بين العلماء على ما يتركب منه مركز الفكر فإن كنت ويفر Kent Weaver وجيمس ماكقان James McGann  وآخرون أعدوا عدداً من التصنيفات أو الأنواع لتحديد أنواع مختلفة من المنظمات التي تقع تحت مسمّى "مركز فكر"، وهم لم يساعدونا فقط بعملهم هذا في التمييز بين أنواع مختلفة من معاهد السياسات بل ساعدونا كذلك في تحديد الدوافع الرئيسية والصفات المؤسساتية المرتبطة بكل جيل أو موجة من مراكز الفكر. وانطلاقا من هذه التصنيفات غيرها التي تناسب تجربة مراكز الفكر الأمريكية فإننا نستطيع أن نلاحظ كيف حوّلت هذه المنظمات  نفسها بمرور الوقت، وكيف أصبحوا يؤدون دوراً فاعلاً في عملية صناعة السياسات. وعلى الرغم من أن الباحثين يستخدمون تصنيفات مختلفة لدراسة مراكز الفكر وغالباُ ما يصنّفونها بطرق مختلفة فإنهم يتفقون عموماً أنه ثمة فروق يمكن أن نجدها بين مراكز البحوث القائمة على العمل البحثي من تلك التي تضع أولوية كبرى للانخراط في النشاط السياسي. ويتفقون كذلك أن ثمة تمييزاً يمكن أن نجده وفقاً للطريقة التي يتم بها تمويل هذه المراكز وعملائها أو الجمهور المستهدف بخدمتها.
هناك عدة  أنواع من مراكز الفكر الأمريكية في مجتمع بحوث السياسات و هذه التصنيفات هى:


1- جامعات بلا تلاميذ :
 من أول تصنيفات مراكز الفكر ثلاث أنواع من التنظيمات التي تشغل مجتمع بحث السياسات، وعلى قمة سلسلة الهرم أو التراتيبية لمراكز الفكر وبخاصة من أجل الأنقى مراكز الفكر التي يشير إليها أنها "جامعات دون تلاميذ" هذه المؤسسات عادة كبيرة وفقاً لمعايير مراكز الفكر (تقريباً 50 باحثاً أو أكثر) وتتكون من أكاديميين اهتمامهم الأسس هو البحث وكتابة دراسات علمية. وكثير من هؤلاء العلماء عملوا في جامعات ولكنهم يفضلون عزلة مراكز الفكر حيث لا يقومون بالتدريس والأعباء الإدارية في حين أن الباحثين الآخرين والأكثر محافظة في تعليمهم بحثوا عن ملجئ في مثل هذا النوع من مراكز الفكر وغيره حيث شعروا بترحيب أكبر. ووفقاً للسفيرة جين كيرباترك Jean Kirkpatrick  التي عملت مدة طويلاً في معهد المشروع الأمريكي American Enterprise Institute القائم على السوق الحرة، فإن الجامعات في الولايات المتحدة متحررة جداً فإن العديد من الباحثين المحافظين قد أجبروا على البحث عن بيئة مضيافة وأكثر تسامحاً وكرماً لمواصلة بحوثهم فيها . وليس من المستغرب أنهم جُذبوا إلى مراكز فكر تشجع اهتماماتهم البحثية وترعى اعتقاداتهم الأيديولوجية. ومثل هذه المعاهد  سواء كانت ليبرالية أو محافظة تعمل مثل الجامعات بمعنى أن رسالتها الأساسية هي تشجيع فهم أكبر للقضايا والاقتصادية والسياسية، وببساطة إنها تعمل في مجال نشر المعرفة، وعلى خلاف الجامعات فإن حلقات البحث وورش العمل التي يقدمونها والدراسات التي ينتجونها موجهة لصانعي السياسات وليس الطلاب. ومن السخرية أن الدراسات الضخمة الحجم التي تصدرها مراكز الفكر القائمة على البحث تجد طريقها إلى قاعات الدرس والمكتبات وليس في حقائب صانعي السياسات، فالعلماء الذين يعملون في هذه المعاهد بدعم كبير من المؤسسات والأفراد ينظرون إلى الدراسات التي يصل حجمها إلى حجم الكتب بصفته منتوجهم البحثي الأساسي.
ويعدّ كلاً من معهد بروكنجز ومعهد  هوفر Hoover وهما من أكبر معاهد البحوث الخاصة في الولايات المتحدة من مراكز الفكر التي ينطبق عليها هذا التصنيف.
2 - متعاقدون حكوميون أو متخصصون :
إنما يميز المتعاقدين الحكوميين في تصنيف ويفر لمراكز الفكر ليس إلى حد كبير نوع البحث الذي يقومون به على الرغم من أن بعض ما يقوم به المتعاقدون الحكومي سرّي إلى نوع ما، وأما الباحثين الذين يقومون بالعمل فمعظمهم يحملون درجة الدكتوراه، على أن عمليهم الأساس والأولى ومصدر تمويلهم. إن مراكز الفكر مثل راند ومعهد المدن وهما اثنان من المتعاقدين الحكميين الرواد في الولايات المتحدة قد أسست لخدمة احتياجات خاصة لصانعي السياسة. كما سيتم مناقشة ذلك فيما بعد في هذا الفصل فكلاهما يتلقى كميات كبيرة من أموال الحكومة من أجل تقديم مقترحات لكيفية مواجهة اهتمامات السياسات الخارجية والمحلية التي تواجه الأمة. وبصفتهما متعاقدين حكوميين فإن هذه الأنواع من مراكز الفكر تتمتع بميزات الوصول إلى الوزارات والوكالات الحكومية ولكن هذا لا يستلزم أنهم سيكونون قادرين على التأثير في السياسة الحكومية. وحقيقة فهناك كثير من الأمثلة على أن توصيات السياسة التي قدمت من قبل راند ومتعاقدين أخرى كانت مخالفة لرغبات وللاهتمامات السياسية لأعضاء في الكونجرس والتنفيذيين. ففي هذه الحالات وغيرها فإن المتعاقدين الحكوميين ليس لهم سيطرة كبيرة لكيفية قبول توصياتهم. ومع ذلك فإن المتعاقدين الحكوميين يعترفون عامة أن اهتمامهم الأساس هو تقديم نصيحة حكيمة وذات أساس علمي لعملائهم وليس للتأثير في العملاء في كيفية استخدام المعلومات التي يُزودون بها. وهذا لا يعني يبعدون أنفسهم إرادياً من التقارير التي ينتجونها. بل على العكس فإن ذلك يعني أنهم ما داموا يعتمدون أساساً على التمويل الحكومي بخلاف أنواع مراكز الفكر الأخرى لا يمكن أن ينظر إليهم على أن لديهم أجندة سياسة، ويجب عليهم مهما كانت التكاليف أن يحافظوا على شرعيتهم المؤسساتية وموثوقيتهم، ومن المهم أيضاً أن نميّز بين المتعاقدين الحكوميين الكبار من أمثال راند ومعهد المدن الذين يتلقون ملايين الدولارات كل سنة في شكل دعم حكومي، والمئات من مراكز الفكر الذين يستبعدون من الصناديق المحددة من التمويل الحكومي أو الفيدرالي إلى مشرعات محددة. وعلى خلاف المراكز الأولى التي لديها مصدر مضمون من التمويل فإن عداً من المتخصصين الحكومية عليهم المنافسة للبقاء على السطح. وكما يعترف الكثير من مدراء مراكز الفكر فإن التمويل الحكمي يمكن أن يكون بركة كما يمكن أن يكون لعنة، وبالتالي فإنه أمر حاسم بالنسبة لمراكز الفكر لتوليد الإيرادات من مصادر متعددة .
3 - مراكز الفكر ذات التوجه الترويجي :
كانت المراكز الترويجية هي أكثر أنواع مراكز الفكر شيوعاً منذ بدايات السبعينيات في الولايات المتحدة وفي الديمقراطيات الغربية بما فيها كندا وبريطانيا العظمي كانت من النوع الذي أشار إليه ويفر بأنها المراكز الترويجية الدعائية. وهذا المركز كما يشير الاسم يتضمن الجمع بين الميل السياسي القومي مع مهارة في التسويق قوية وجهد للتأثير في نقاشات السياسات الحالية" إنها تركز كثيراً على إنتاج تقارير موجزة لصانعي السياسة وليس دراسات بحجم الكتاب، وتستخدم عدداً من الإستراتيجيات لتقوية صلاتهم بأعضاء من الكونجرس والتنفيذيين والإرادة البيروقراطية. وزيادة على ذلك التأثير على الرأي العام والسياسة العامة ومن مراكز الفكر الترويجية مؤسسة هيريتج Heritage تضع تركيزاً أساسياً على الوصول إلى الإعلام، ويظهر موظفوها باستمرار في شبكات الإعلام وبرامج التلفاز السياسية لتقديم رؤاهم حول كثير من قضايا السياسات العامة، ويشتركون في نشر مقالات من قبل باحثيهم في الصحف الأمريكية الرئيسية.


4- تصنيفات متنوعة :
يمكن تصنيف أجيال أو موجات من مراكز الفكر وفقاً لمواصفات مؤسساتية يمكن السماح للباحثين يستخدموها للتمييز بين هذه المراكز. ومع ذلك فمن المهم أن ننظر في بعض المشكلات التي مكن أن تظهر في مثل هذا التصنيف. ففي البداية ثمة بعض المؤسسات التي تملك صفات مشتركة في أكثر من نوع من مراكز الفكر. فمن المفهوم أن تقع في أكثر من تصنيف. فمثلاً بينما يجد الكثير من الباحثين صعوبة في التمييز بين عمل معهد بروكنجز ومؤسسة هيريتيج Heritage فهاتين المؤسستين تشتركان في نشاطات متشابهة، فكلاهما يقومان ببحوث حل نطاق واسع من القضايا المتعلقة بالسياسات الخارجية وتدركان أهمية تسويق إنتاجهما، فإن الاختلاف الرئيس إنما هو في التركيز الذي يوليانه على  البحث الخالص والترويج أو الدعاية السياسية. ولمناقشة ذلك فإن بروكنجز يعمل كجامعة دون تلاميذ وتتصرف مؤسسة هيريتج كمركز فكر ترويجي سيكون ظاهرياً مخادعاً فمثلاً يمكن النظر إلى المؤسستين بصفتهما معهدا بحوث ومركزا فكر ترويجي.
ولا يمكن تجاوز هذه المشكلة فالطريقة التي يصنف بها الباحثون والصحفيون المعاهد يمكن أن يكنه لها تأثير عميق على الطريقة التي يُنظر بها إلى مراكز الفكر في الإعلام ولدى الجمهور. إن الإشارة إلى بروكنجز بصفته مركز بحوث سياسات معترف به عالمياً يوفر للمؤسسة موثوقية مباشرة، إنها تخلق الانطباع سواء الصحيح أو الخاطئ أن المؤسسة تنتج بحوثاً موضوعية وعلمية ومتوازنة. وعلى العكس من ذلك فإن تصنيف مؤسسة هيريتج وأمريكان إنتربرايز(معهد المشروع الأمريكي) (AEI)مثلاً على أنها مراكز فكر ترويجية يتضمن أنها ملتزمة أكثر بالترويج لأجندتها الإيديولوجية أكثر من إنتاج بحوث علمية. وباختصار فإن المضمون أن الآراء والتوجهات الصادرة عن المعاهد البحثية يجب أن تؤخذ بجدية أكثر من مراكز الفكر الترويجية.
يمكن لمشكلة التصنيف الخاطئ لمراكز الفكر أن تصبح أكثر وضوحاً حين تتبنى هذه المؤسسات استراتيجيات متشابهة لتقديم أفكارها، وهذا يشبه الحرباوات التي تغيّر لونها لتتناسب مع البيئة الجديدة. فإن مراكز الفكر تغير سلوكها لتصبح أكثرة قدرة على المنافسة في سوق الأفكار ولدعم شخصيتها فإن بعض مراكز الفكر التي أسست في العقود الأولى من القرن العشرين تعتمد الآن على إستراتيجيات تستخدم من قبل الموجات أو الأجيال الأحدث من المعاهد. وزيادة على ذلك فإن بعض المراكز الأحدث تطلعت إلى الأجيال الأقدم من مراكز الفكر لاقتباس أفكار في كيفية إدارة عملياتها وباختصار فعلى الرغم من ازدياد الطبيعة التنوعية لمجتمع مراكز الفكر في الولايات المتحدة فإنه أصبح أكثر صعوبة أن نعزل صفات تمييزية مؤسساتية.
 إن التميز بين الأنواع المختلفة لمراكز الفكر التي تحتل مجتمع بحوث السياسات في الولايات المتحدة يمكن أن تقود الباحثين إلى وصف المعاهد بطريقة خاطئة. ولسوء الحظ وبالنظر إلى الكثير من المشكلات المنهجية التي تواجهنا في تصنيف مراكز الفكر لا يمكن تجنب هذه المشكلة. ومع ذلك فإن التصنيف يمكن أن يكون مفيداً في تحديد أنواع مراكز الفكر التي ظهرت خلال المراحل المعينة. وكما سوف يوضح في هذا الفصل فإن مراكز الفكر المرتبطة بكل من الموجات الأربع من التطور تملك صفات محددة ومعينة، إنها هذه الصفات التي تسمح للباحثين بتحديد متى بدأت موجة جديدة أو جيل جديد بالظهور في المسرح  السياسي[4].
بحلول نهاية القرن العشرين أصبح هناك أكثر من 1200مؤسسة ممن ينطبق عليها وصف   Think Tanksمراكز الفكر تسيطر على الساحة السياسية الأمريكية و هي تشكل مجموعة غير متجانسة من حيث اتساع نطاق المواضيع و مصادر و طرق التمويل و المواقع التي تشغلها و يمكن أن يتم تقسيمها علي النحو التالي :
1 - مؤسسات تابعة للجامعات مثال مؤسسة بحوث الشرق الأوسط التابعة لجامعة كولومبيا.
2 - مؤسسات بحثية تميل لأحد الحزبين الرئيسين في الولايات المتحدة الأمريكية مثال معهد بروكنجز  Brookings institution   الذي يميل إلي الحزب الديمقراطي و مؤسسة هيرتيج  Heritage Foundationالتي تميل إلي الحزب الجمهوري .
3 - مؤسسات تابعة لهيئات حكومية مثل جامعة الدفاع الوطني( Nation Defense University ) ومركز بحوث الكونجرس ((congressional Research Service
 4 - مؤسسات بحثية تابعة لمؤسسات خاصة كبرى مثل مؤسسة كارينجي للسلام الدولي
(Carnegie endowment for international peace )
5 - المؤسسات التقليدية للسياسة الخارجية مثل مجلس العلاقات الخارجية  (CFR)  .
6 - مؤسسات متخصصة مثل الجمعية الوطنية للعلوم السياسية
American Political Science Association)                                       )
7 - المؤسسات التابعة للوبي الصهيوني مثل اللجنة الوطنية اليهودية الأمريكية American Jewish Committee و لجنة العلاقات الأمريكية الأسرائيلية ( إيباك )
American – Israel public affairs committee
8 - مؤسسات مرتبطة بهيئات معارضة للسيطرة الأمريكية و معظمها من اليسار مثل (pacifica nation )  و اليمين المعارض مثل لاروش .
9 - مؤسسات أخرى تدخل ضمن المؤسسات البحثية التابعة للكنائس و الهيئات الدينية و الأقليات القومية و العرقية و اللغوية و الناشطين السياسيين و الاجتماعيين [5].
 أساليب مراكز الفكر و الرأى  للتأثير فى السياسة الخارجية الأمريكية  :
هنالك عدة مجالات و طرق تشارك أو تؤثر من خلالها هذه المراكز و المؤسسات على صانعي السياسة الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية و تساهم عبرها في تشكيل ملامح هذه الساسية  وهى :
1 - توليد أفكار وخيارات مبتكرة في السياسة الخارجية:
تسعى مراكز البحث و الرأي إلي توليد أفكار جديدة تبادل الطريقة التي ينظر بها صانعوا السياسة الخارجية إلى العالم و يستجيبون له، و من الممكن أن تؤدي هذه الأفكار الجديدة إلي تغير في المصالح القومية الأمريكية و فهمها و التأثير في ترتيب الأولويات و توفر خرائط للعمال و حشاد التحالفات السياسية و البيروقراطية و تشكيل حملات الانتخاباات الرئاسية.
إن هذه الأفكار و الاستراتيجيات تتسام بالإضافة لكونها تحمل طابع الابتكار و الإبداع و الابتعاد عن النمطية هي ايضا تلتزم بالمحافظة على النظرة الواقعية للأمور مع استشااراف أفاق مستقبلية بعيدة. تمثل فترات انتقال الحكم  مناسبات مثالية لرسم برامج عمل السياسة الخارجية حيث يطلب المرشحون إلى الانتخابات المشورة من عدد كبير من المثقفين من أجل تحديد المواقف السياسية حول عدد من القضايا الداخلية و الخارجية و يتبادل المرشحون إلى الرئاسة الأفكار مع الخبراء السياسيين و يختبرونها خلال مسار الحملات الرئاسية.
وقد كانت أكثر الأمثلة شهرة على هذا ما حدث بعد انتخابات عام  1980 عندما تبنت حكومة رونالد ريجان مطبوعة مؤسسة هيرتيتج عنوانها( تفويض للتغيير)  كبرنامج عمل للحكم. و هناك حالة ثانية أكثر حداثة تمثلت في صدور تقرير سنة  1992 أعده معهد الاقتصاديات الدولية و مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي يقترح  إنشاء مجلس امن اقتصادي و قد وضعت إدارة كلينتون التي تسلمت الحكم فيما بعد هذا الاقتراح  موضع التنفيذ بإنشائها المجلس الاقتصادي .
2  - تأمين مجموعة جاهزة من الاختصاصيين للعمل في الحكومة:
بجانب تقديم أفكار جديدة للحكومة  فإنها تقدم أيضا مجموعة كبيرة من الخبراء للخدمة في الإدارات الجديدة، و في فرق الموظفين التابعة للكونجرس. و تعتبر هذه الوظيفة التي تؤديها المراكز البحثية بالغة الأهمية في النظام السياسي الأمريكى حيث أن أنتقال السطلة يؤدى إلى تغيير عدد كبير من الموظفين المتوسطين و الموظفين الكبار فى السلطة التنفيذية و تساعد مراكز الفكر على الخبراء الذين يتمتعون بالخبرات فى المجالات الحكومية و رسم السياسات لأنها تتكون من أعضاء الكونجرس السابقين و الموظفين السابقين الحكوميين .
حيث فى عام 1976 قام الرئيس جيمى كارتر بتعيين بتعيين الكثير من خبراء فى مؤسسة بروكينجز و كذلك من مجلس العلاقات الخارجية و كذلك فعل الرئيس رونالد ريجان الذى أستعان على هيئة مستشارين من مكونة من 150 عضو من مؤسسة هيرتيج و مؤسسة هوفر و معهد أنتربرايز الأمريكى و كذلك عندما نشر جورج كينان فى مجلس السياسة الخارجية مقاله بعنوان اسباب التصرفات السوفيتية و كيفية التعامل معاها من خلال سياسة الأحتواء و هى التى تم إعتمادها فى السياسة الخارجية الأمريكية طوال الحرب الباردة و كذلك مقال صامويل هنتجون عن صدام الحضارات الذى يعتبر هو المؤسس للسياسة الخارجية الأمريكية وشكل الصراع فى الفترة ما بعد الحرب .
و كذلك تسعى هذه المراكز للإستفادة من الموظفين الذين كانوا يعملون فى الحكومة للإستفادة من خبراتهم السابقة فى مجال العمل السابق لدى الحكومة ليتكنوا من وضع و رسم أستراجيات و أفكار مهمة لدى هذه الؤسسات تساعد على تنمية السياسات الخارجية فى الولايات المتحدة الأمريكية .
3 – توفير مكان للنقاش على مستوى رفيع :
حيث توفر مراكز الفكر منابر غير حزبية تتمكن من خلالها الحكومة على العمل على نشر توجهاتها فى السياسة الخارجية معرفة ردود فعل الشارع أو معرفة أراء المختصين و أصحاب الخبرات فى السياسة الخارجية عن مدى جودة السياسات و كذلك الشخصيات البارزة الأجنبية يتوجهون للمراكز لمناقشة اصحاب الراى ليتمكنوا من نشر أفكارهم و زيادة سمعتهم بين الخبراء و المختصين .
4 – نشر الثقافة فى الولايات المتحدة عن العالم و السياسات الخارجية للدول الأخرى :
حيث تعمل هذه المؤسسات على نشر السياسات الخارجية التى تمارسها دول العالم مع الولايات المتحدة فى زمن العولمة أصبحت هذه المهمة سهلة للتواصل مع المجتمع الأمريكى و لتعريف المجتمع الأمريكى بالسياسات المعادية للولايات المتحدة .
5 – التدخل فى بعض الحالات للتوسط و حل النزاعات :
تستطيع مراكز الفكر أن تقوم بدور الطرف الثالث من خلال رعاية احد الأطراف لنشر فكرتها كطريقة للتقارب و حل اللأزمة وهو مثل ما يقوم به معهد السلام الأمريكى من خلال قيامه بهذا الدور برعاية من الكونجرس و كذلك يعمل على تدريب الموظفيين الرسميين الحكوميين لطرق التدخل لحل المنازعات والتوسط فى الأزمات و تعتبر هذه الأدوار مكملة للجهد الأمريكى الرسمى وليس قائم بذاته [6] .
أدوات مراكز الفكر للتأثير فى السياسة الخارجية الأمريكية   :
و تستخدم مراكز الفكر مجموعة من الأدوات للتأثير فى صانع القرار الأمريكي لتوجيه الساية الخارجية الأمريكية للإتجاه الذى تراه ملائم و وهذه الأدوات هى :
1 – من خلال وسائل العلام مثل التليفزيون و الصحافة حيث يتوجه الخبراء الذين يعملون فى هذه المراكز و المؤسسات الفكرية للتحدث من خلال وسائل الأعلام و نشر أفكارهم بشكل منتظم .
2 – التواصل مع الجمهور من خلال التحدث فى المؤتمرات و الجامعات و المناسبات الكبرى و من خلال برامج وزارة الخارجية التدريبية و لجان المناقشات فى الكونجرس و جماعات التبادل الخارجى .
3 – التواصل المباشر مع صانعى القرار فى البيت الأبيض حيث أن هذه المراكز على تواصل دائم مع المسئوليين وصانعى القرار من خلال الخبراء الذين يستعين بهم الرؤساء فى البيت الأبيض بعد نجاحهم مثل دونالد رامسفيلد و بول وولفوفيتز الذين كانا متواجدين فى فى إدارة جورج بوش الأبن .
4 – شهادات الكونجرس حيث أن اللجان الرئيسية أو الفرعية فى الكونجرس تستعين ببعض الخبراء من هذه المراكز للإستفادة من خبراتهم .
5 – من خلال هيئات المستشارين المتواجدين فى هذه المراكز الفكرية الذين يعتبرون شخصيات عامة وهم الذين يجمعون التمويلات للأبحاث التى تقوم بها هذه المراكز و المؤسسات .
6 – المعلومات التى توفرها هذه المراكز لصانع القرار فى السياسة الخارجية الأمريكية تعتبر هى الأساس التى يعتمد عليها صانع القرار قبل إتخاذه لأى قرار خارجى[7] .
الخاتمة :
تعتبر مراكز الفكر و الرأى فى الولايات المتحدة الأمريكية من اللعبين المؤثرين فى بناء التوجهات التى تقوم عليها السياسة الخارجية الأمريكية حيث لما تمتلكه من أساليب فعالة تساعدها على التغلل فى عملية صنع القرار الخارجى من خلال المسئولين السابقين أو التوجهات والأفكار التى تنشرها من خلال أدواتها المتاحة .
و لذلك تتوجه الأحزاب و جماعت الضغط الراغبة فى إحراز تقدم سياسى أو إحداث تاثير فى السياسة الخارجية الأمريكية بالتوجه للمراكز و المعاهد والمؤسسات الفكرية لكى تكون هى وسيلة الربط التى يتم من خلالها التواصل و اعداد الأليات المناسبة التى تساعدهم على تحقيق مطالبهم بشكل فعال .
و يتم التحكم فى المراكز الفكرية من خلال مصادر التمويل التى تعمل عليها كل الأطراف السياسة لدفع صانع القرار فى إتجاه معين من قيام هذه المراكز بإعداد التقارير و الملاحظات والنظريات إقناع صانع القرار بوجه نظر الجهة صاحبة التمويل .
و بالتالى لكى يتم فهم السياسة التى يتبعها صانع السياسة الخارجية الأمريكية لابد من معرفة فى البداية مراكز الفكر و الرأى التى يستند إليها صانع القرار و التى يعمل محلليها فى الجهاز التنفيذى لصانع القرار الأمريكى .



[1] - col peter m Little , think tanks and influence on us foreign policy : the people and the ideas , school of advanced military studies united states army command and general staff college fort leaven worth ,Kansas , 2016 , pp 4 – 6 . 
 [2]  -  دونالد أ. آبلسون , مؤسسات الفكر والرأي وسياسة الولايات المتحدة الخارجية , مجلة إلكترونية تصدرها وزارة الخارجية الأميركية ,  تشرين الثاني/نوفمبر، 2002 , 9 – 12 .

[3]  -  دونالد إي أبلسون , مراكز الفكر والسياسة الخارجية الأمريكية , ترجمة : مازن مطبقاني ,مجلة جامعة  ماكجيل كوينز , 2006 , ص ص 3 – 40  .
[4] - col peter m Little , op-cit , pp 7 – 9 .
[5]  - بسمة خليل نامق , مؤسسات مخازين التفكير و دورها فى صياغة السياسة الخارجية للدولة الحديثة النموذج الأمريكى ,مجلة القادسية للقانون و العلوم السياسية , العدد الثانى , المجلد الثانى , 2009 , ص ص 130 – 138 .
[6]  - ئوميد رفيق فتاح , مراكز الفكر و تأثيرها فى صنع السياسة العامة فى اقليم كوردستان , مجلة جامعة التنمية البشرية , العدد 3 , المجلد 3 , 2016 , ص ص 83 – 85 .
[7]  - بسمة خليل نامق , مرجع سبق ذكره , ص ص 140 – 145 .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نموذج سنايدر لصنع السياسة الخارجية

المقدمة : بالرغم من اختلاف المدارس والمنظورات التي تناولت السياسة الخارجية إلا أنها تشير كاتجاه عام للتعريف إلى سلوك الدولة تجاه البيئة الخارجية وهذا السلوك يتبلور في أشكال عدة وهو موجه بالأساس نحو وحدات سياسية (الدول ) أو وحدات تنظيمية (الأمم المتحدة مثلا ) أو قضايا (استعمار أو احتلال )، ومن هذا المنطلق حاول دارسوا السياسة الخارجية محاولة بناء نماذج نظرية تملك القدرة المعرفية على تحليل وتفسير سلوكيات الدول الخارجية من خلال البحث في تساؤلات محددة ، فمنهم من اهتم بمن يصنع القرار سواء كان فرد أو جماعة أو جهاز ، ومنهم من انصرف إلى دراسة عوامل ومسببات صنع القرار أي كيف يصنع القرار من حيث هو عملية مركبة أو تلقائية و عموما فأيا كانت اتجاهات التحليل التي استندت إليها هذه النماذج النظرية وأيا كانت السياقات والقوالب التي جاءت فيها . فإنها جميعا واكبت نزعة التنظير في السياسة الخارجية في محاولة لتصميم أطر نظرية تفسيرية مرنة تحلل السلوكات الخارجية، لذلك ظهرت نماذج عديدة مثل نموذج سنايدر وروزنو وغراهام أليسون   .   نموذج صنع القرار الخارجي لسنايدر البناء العام لصنع القرار في ال...

السياسة الخارجية الأمريكية تجاه العراق من 1990 الى 2007

المقدمة : تثير السياسة الخارجية الأمريكية الكثير من الجدل والاهتمام لدى الباحثين في مختلف أنحاء العالم؛ وذلك بسب توجهات هذه الدولة العظمى التي تستهدف كل وحدات النظام الدولي، هذه التوجهات   التي ترسم انطلاقا من مجموعة من المبادئ، وتستخدم مجموعة من الوسائل والآليات التي قد تختلف   طرق استعمالها من إدارة إلى أخرى إلا أن هدفها يبقى واحدا وهو تحقيق مصالح الولايات المتحدة في مختلف أنحاء العالم إن توجهات السياسة الخارجية الأمريكية تباينت في مختلف مراحل تطور الدولة الأمريكية، حيث كانت في بداية تأسيس الدولة ذات توجهات انعزالية من أجل تحقيق القوة الأمريكية، وبمجرد قيام الحرب العالمية الثانية حتى بدأت تتضح معالم توجهاتها التدخلية لتخرج بذلك من دائرة الانعزال إلى   دائرة التدخل في الشؤون الدولية، أما مع نهاية الحرب الباردة فقد عرفت التوجهات الأمريكية مرحلة جديدة تميزت بغياب العدو المفترض بسقوط الاتحاد السوفياتي، ثم دخلت السياسة الأمريكية مرحلة أخرى بعد أحداث 11 سبتمبر ،2001هذه الأحداث التي كان لها تأثير كبير على توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة وأنها تزامنت مع بداية عهد...

شرح حركة الكشوف الجغرافية فى أوروبا و أثارها على العالم

المقدمة : الكشوف الجغرافية هي رحلات انتشرت بشكل واسع في القرن الخامس عشر الميلادي، وقام بها الأوروبون لاكتشاف مناطق جديدة، من أجل شراء منتجاتهم من المناطق الشرقية، بعد أن أصبح المسلمون يطالبون الأوروبين بدفع ضرائب غالية على بضائعهم، لذلك قرر الأوروبون مقاطعة مناطق التجار المسلمين، والبحث عن طريق يوصلهم الى جزر الهند مباشرة دون الاتصال بالمسلمين، وقد بدأت البرتغال وإسبانيا في حركة الكشوفات الجغرافية أولاً . ٍ أولا : العوامل المحفزة لحركة الكشوف الجغرافية : هناك العديد من العوامل المؤثرة على حركات الكشوف الجغرافية و هى تنقسم على عدة مستويات وهى : أولا :   على المستوى المحلى : على المستوى المحلى كان هناك تاثير للعديد من العناصر التى ساعدت وحفزت على نشر حركات الكشوف الجغرافية وهى : 1 – تقدم صناعة السفن وأدوات الملاحة : للقيام بالكشوف الجغرافية كان لابد من تواجد صناعة جيدة و متقدمة للسفن و أدوات الملاحة و كان التواجد الجغرافى للدول الأوروبية على المحيط أثر كبير فى القدرة على ليقدم لسكانها القدرة على تكين مدراس بحرية جيدة تتقن التعامل مع البحر و أستكشافه ولقد أنقسمت ال...