المقدمة :
ساهمت بريطانيا
في الأربعين سنة الماضية في تشكيل الاتحاد الأوروبي، ودفعت أيضا في مرات عديدة إلى
القيام بتغييرات كثيرة. لكنها لم تنفك في المقابل عن معارضة مشاريع قوانين
اقترحتها المفوضية الأوروبية، لذلك فإن مغادرة بريطانيا التكتل الأوروبي سيسهل على
أوروبا عملية المصادقة على بعض من قراراتها. كما لن تضطر دول أوروبية أخرى إلى
الاختباء وراء المملكة المتحدة في مجلس الاتحاد الأوروبي. وبخروجها ستفقد بريطانيا
وضع "العضو الاستثنائي" في الاتحاد الأوروبي.
ويقدر
المتخصصون بأن عضوية بريطانيا في الاتحاد تكلف حوالي 11% من إجمالي الناتج المحلي
السنوي، الذي يبلغ قرابة 200 مليار جنيه استرليني ما يعادل 295 مليار دولار أمريكي
, الداعون للخروج يشيرون إلى أن هذا المال سيكون له منفعة
أكبر إن تم صرفه على المصانع والأبحاث العلمية، من دون الاتحاد الأوروبي، بإمكان
بريطانيا بشكل مستقل السعي إلى إبرام اتفاقيات تجارية مع الصين والهند والولايات
المتحدة.
ومن المسائل المهمة التي ينظر إليها مؤيدو الخروج هي السياسة الزراعية
المركزية، التي يصفونها بأنها تبذير للمال ومكلفة جداً.
ويرى أحد ممثلي بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، أن بإمكان بريطانيا توقيع
عقود مع الاتحاد الأوروبي، بطريقة مشابهة لما قامت به النرويج، حيث يمكن الدخول
إلى السوق الأوروبية، من دون أن تطبق الشروط الأوروبية على الزراعة والقضاء وحتى
قوانين الشؤون الداخلية.
العديد من الداعين للخروج يرون بأن الاتحاد الأوروبي يشكل عبئاً كبيراً على
المواطنين بسبب التنظيم البيروقراطي المعقّد. وإن خرجت بريطانيا، ستتمكن الحكومة
والسلطات المالية من تصميم هيكلية تنظيمية ملائمة أكثر للحاجات البريطانية.
ويعتبر الأمر من أكثر الملفات التي تم مناقشتها، إذ إنه من إحدى الأسس التي
يقوم عليها الاتحاد الأوروبي هي حرية تحرك وعبور الأشخاص، بالإضافة إلى حرية نقل
الخدمات والأموال والبضائع.
لهذا السبب، لا تتحكم بريطانيا بتدفق المهاجرين من الدول المنضوية في
الاتحاد.
ويركز الداعون للخروج على الصحة والمنافع التي بإمكان مواطني الدول الأخرى
الحصول عليها بريطانيا، الأمر الذي يشجعهم على الهجرة إلى البلاد للحصول على تلك
المنافع التي تعد الأفضل بين الدول الأوروبية.
ومؤخراً، زعم عدد من الوزراء الداعمين للخروج بأن هناك نسبة أكبر لتعرض
بريطانيا لأعمال إرهابية إن كانت من أعضاء الاتحاد الأوروبي.
: أسباب
دفعت بريطانيا للانفصال عن الاتحاد الأوروبي
أولًا- الأسباب غير المباشرة (الكامنة):[1]
يقصد بها جملة الأسباب المتعلقة بنظرة بريطانيا للاتحاد
الأوروبي، وتصورها لذاتها، والظروف التي واتت دخولها للإتحاد الأوربي.
بدأت رغبة بريطانيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي في
نهاية الخمسينات وبداية الستينات، وهذه الرغبة لم تكن من منطلق الاقتناع بالمزايا
السياسية سواء الداخلية أو الدولية، بل كان اقتناعًا واعترافًا بما حققه من قوة
اقتصادية، وما يمكن أن يقدمه من مزايا اقتصادية للمملكة. وعارضت فرنسا الديجولية
انضمام بريطانيا للإتحاد لتحسبها ميل بريطانيا لتحقيق مصالحها القومية الذاتية
أكثر من اهتمامها بالمصالح الأوروبية.
وظلت خلال هذه الفترة تعارض الاتجاه نحو تحويل الإتحاد
إلى قوة سياسية لديه صلاحيات سياسية وأمنية تجمع دوله، وظلت تنأى بنفسها عن تلك
الحوارات، وتحاول أن تجعل منها صيغة اختيارية غير ملزمة لها.
ويمكن تقسيم هذه الأسباب بين أسباب تتعلق بالسيادة
واستقلالية القرار السياسي، وأخرى تتعلق بالهوية والقومية، وثالثة تتصل بالارتباط
بالأطلسية أكثر من الأوروبية.
1- السيادة
واستقلالية القرار السياسي:
تملك بريطانيا تصورًا خاصًا
عن سيادتها السياسية واستقلاليتة قرارها الداخلي؛ فلربطانيا قوة إيمان خاصة
بنظامها البرلماني، وتقاليدها الملكية المتصلة بالسيادة والاستقلالية، حيث دائمًا
ما كانت ترفض بريطانيا أن يكون قرار المملكة صادر من بروكسيل حيث مقار الإتحاد
وليس من مجالها المنتخبة.
حيث كانت لدى بريطانيا رغبة
في أن يكون التشريع هو سلطة خالصة للبرلمان الوطني ولا يخضع لإملاءات خارجية
أوروبية صادرة من مجالس – من وجهة نظرها- ليست شعبية أو ديمقراطية خالصة. ومن ثم
رأت في تشريعات واشتراطات الإتحاد الأوروبي ما يقوض صلحيات المشرع البريطاني
والمجالس المنتخبة، والتي يُعرف عنها سلطتها الواسعة، حيث المقولة الشهرية "
يمكن لمجلس العموم البريطاني أن يفعل كل شيء سوى أن يحول الرجل إلى مرأة".
2- الهوية
والقومية:
تنامى وتمايز لدى الإنجليز
هوية خاصة بهم، تجمعهم حول التقاليد السياسية والثقافية البريطانية، والتي تولد
شعور وإحساس بالأنا متمايز عما عداه حتى لو كان أوروبيا، إذ ظلت مقولة "نحن
الإنجليز" مسيطرة إدراك ووعي كثير من البريطانين في مقابل فكرة "نحن
الأوروبيين".
لذلك فإن نوع من التمايز في
الهوية والثقافة ترافق مع نظرة عنصرية تعلي من قيمة الفرد والمواطن الإنجليزي عما
عداه من الشعوب والأفراد سادت الداخل البريطاني؛ ولعلها نظرة تعود إلى الميراث
الاستعماري الذي أكسب الرجل الإنجليزية هيبة ومكانة خاصة وجد فيه تفرده واختلافه
عن غيره.
ومن هذا المنطلق، ومن منطلق
الواقعية السياسية، سيطر على بريطانيا فكرة المصلحة القومية الذاتية، التي تغلب
الأغراض الأنانية الذاتية عن تلك التعاونية الجماعية؛ فالقوة والملصحة الذاتية هما
فقط محركا السياسة البريطانية، التي لا تعرف أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين وإنما
تعرف مصالح دائمة، تتحول بمقتضاها وتدور بين التحالف والآخر بين الفنية والاخرى.
3- الأطلسية في
مقابل الأوروبية:
معلوم لدى الجميع حقيقة
العلاقة بين بريطانيا والولايات المتحدة وأنها أكثر ميلا للأخيرة منها إلى الإتحاد
الأوروبي وسياساته بخاصة السياسية منها والأمنية، فالإنجليز تجمعهم علاقة خاصة مع
نظرائهم الأمريكان، وتربطهم حالة سياسية وثقافية واجتماعية خاصة تختلف عن مجمل دول
الإتحاد الأوروبي، الذي يرى عدد من أقطابه ضرورة في الابتعاد شيئًا فشيئًا عن
الولايات المتحدة استعدادًا للعب دور عالمي أكثر استقلالية.
وتأسس على ذلك رفض بريطانيا
المتكرر الارتباط في سياستها الدفاعية أو
التدخل لوضع سياسة أوروبية دفاعية مشتركة، وكانت من أشد المعارضين لإنشاء جيش
أوروبي ودعت إلى التمسك باتجاهات حلف الناتو بشأن الدفاع والأمن، وهو ما يجعلها من
هذا الجانب قوة أطلسية أكثر منها أوروبية.
ثانيا : الأسباب المباشرة :
1- التخلص من عبء المهاجرين واللاجئين :
يؤمن المواطن البريطاني بأن الخروج من الاتحاد الأوروبي
سيمكّن بلاده من اتباع نظام جديد يحد من السماح للمهاجرين من خارج الاتحاد
الأوروبي بالدخول إلى البلاد وتشير آخر الإحصائيات إلى أن عدد المهاجرين في
بريطانيا يقدّر بـ863 ألف مهاجر، وهو ما يشكل عبئاً بقيمة تتجاوز 3.67 مليارات
جنيه إسترليني (4.131 مليارات دولار) سنوياً.
2- الخوف من الإرهاب :
زيادة الهجمات الإرهابية في بعض الدول الأوروبية مؤخراً دفعت المواطن
البريطاني إلى التفكير في أن الانفصال عن الاتحاد الأوروبي سيوقف اتفاقية الحدود
المفتوحة بين دوله، وهو ما قد يحد حركة المواطنين الأوروبيين، ومن ثم يحول دون
مجيء الإرهابيين إلى بريطانيا.
وخلال الأشهر الماضية كان هناك تصريحات عدة لمتزعمي معسكر
"الرحيل"، وفي مقدمتهم دومينيك راب، وزير العدل البريطاني، الذي اعتبر
أن " الخروج من شأنه ردع هجمات إرهابية محتملة في المستقبل."
3- التوفير المالي للصحة والتعليم :
هذا السبب مترتب على التخلص من أعباء استقبال المهاجرين عبر الحدود، الذي
أسهم في تصديقه مئات المطويات التي وزعت بالبريد أو على نواصي الشوارع، التي توقعت
توفير 350 مليون جنيه إسترليني (480 مليون دولار) أسبوعياً لحساب الخزينة
البريطانية، وهو مبلغ كاف لبناء مستشفى.
كما أن المبلغ نفسه يعادل نصف ميزانية التعليم في إنجلترا، مع اقتراحات من
معسكر المعارضين للبقاء بتوظيف تلك الأموال في البحث العلمي والصناعات الجديدة.
4- وعود فضفاضة بالازدهار :
وهي وعود منّى
بها المعسكر الرافض للبقاء، المواطن البريطاني، حيث ظلت كلمات رئيس بلدية لندن
السابق، بوريس جونسون، مصاحبة للمواطن البريطاني داخل اللجان، حيث لم ينسَ مقولته:
"إذا صوتنا في 23 يونيو/ حزيران واستعدنا السيطرة على بلادنا واقتصادنا
وديمقراطيتنا، نستطيع عندها أن نزدهر كما لم نزدهر من قبل.
5- التجارة الحرة :
قدّم معسكر المعارضين للبقاء تصوراً عن أوضاع التجارة عقب الخروج، كانت
سبباً كافياً لدى المواطن البريطاني إلى توقع الأفضل، حيث يتصور المواطن البريطاني
أن الرحيل سيمكن بلاده من إقامة علاقات اقتصادية مع الاتحاد الأوروبي دون خضوعها
لقوانين الاتحاد، حيث يمكنها عمل اتفاقيات تجارية مع دول مهمة مثل أمريكا والهند
والصين، بالإضافة لمساعي إقامة منطقة تجارة حرة.
6- النفوذ الدولي :
يعتقد البريطانيون أن تأثير بلادهم داخل الاتحاد الأوروبي ضعيف، وفي حال
رحيلها عن الاتحاد ستتمكن من التصرف بحرية، والحصول على مقاعد في مؤسسات عالمية،
كانت خسرتها بسبب انضمامها للاتحاد الأوروبي كمنظمة التجارة العالمية حيث الوضع
الأوروبى أصبح مشتعل مع التحركات الروسية للسيطرة على الجانب الشرقى الأوروبى من
خلال الأتحاد الأورواسى و الصراع للسيطرة على أوكرانيا وكذلك الجانب الفرنسى وسعيه
للسيطرة على دول البحر المتوسط و دول غرب ووسط أفريقيا و كذلك الصعود للقوى
الشرقية مثل الصين و اليابان و الهند جعل من الموقف البريطانى المرتبط بالأتحاد
الأوروبى الى مجرد تابع لقرارات الأتحاد الأوروبىالذى له تبعية للوضع الأمريكى
وعلاقاته و مواقفه تجاه القضايا الدولية و
التراجع على مستوى التأثير فى العلاقات الدولية
.
7- الكلمة الأولى للتشريعات الوطنية :
الناخب البريطاني أصبح على قناعة بأن الخروج من الاتحاد الأوروبي سيعلي من
صوت القوانين الوطنية البريطانية، وأنه لن يكون هناك سيطرة من قبل القوانين
الأوروبية الاتحادية، وهو ما سيساهم في إعادة السيطرة على قوانين التوظيف والخدمات
الصحية والأمن.
8- المخاوف من انضمام تركيا للاتحاد :
استطاع قادة
سياسيون في معسكر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي التأثير على المواطنين
البسطاء، وخلق فزّاعة وهمية لديهم بخصوص تبعات انضمام تركيا إلى الاتحاد، وتصوير
الأمر على أنه يهدد بفتح حدودها لتدفق آلاف اللاجئين الموجودين فيها حالياً إلى
الدول الأوروبية [i][2].
9- إنشاء قوة عسكرية أوروبية موحدة :
في ظل التحديات الجيوسياسية التي
تحيط بالاتحاد الأوروبي، فإن فكرة إنشاء قوة عسكرية موحدة تأتى في الأذهان، خاصة للتصدي
لروسيا وغيرها، وهذا ما اعتبرته بريطانيا نوعا من التهديدات، فضلا عن استعادة وضع
الكتلة في السياسة الخارجية على مستوى العالم، مع الأخذ بالاعتبار أن بريطانيا إلى
جانب فرنسا هما أكبر قوتين عسكرتين في الكتلة وهو ما يثير مخاوف من المشاركة
الأكبر لهم . ا[3]
خطة خروج بريطانيا من الاتحاد
الأوروبي :
يحتوي الاتفاق الذي تم التفاوض عليه على جزأين:
الأول :
اتفاق ملزم على الانسحاب .
الثانى :
هو مجموعة غير ملزمة من المبادئ
لتوجيه المفاوضات المستقبلية .
وبموجب هذه الخطة، تظل المملكة المتحدة ضمن "الاتحاد الجمركي" مع
الاتحاد الأوروبي لفترة غير محددة، وتستمر التجارة بين الطرفين دون رسوم جمركية
على الواردات، وهنا يطالب النقاد بحرية التفاوض على صفقات تجارية منفصلة مع دول
أخرى.
وتحتفظ بريطانيا بالوصول الكامل إلى رأس المال، إذ يمكن أن يستمر 3 ملايين
مواطن أوروبي داخل المملكة المتحدة في العيش والعمل في البلاد دون تأشيرات عمل،
ويمكن للبريطانيين البالغ عددهم 1.3 مليون شخص أن يفعلوا الشيء ذاته في دول الاتحاد.
وستلتزم بريطانيا أيضاً بمحكمة العدل الأوروبية وقوانين الاتحاد الأوروبي،
دون القدرة على التصويت على القوانين مع إلغاء عضويتها في الاتحاد، وهذا مشابه
لعلاقات النرويج مع الاتحاد الأوروبي، لكن النقاد يعارضون هذا الترتيب.
بما أن بريطانيا لا تزال في الاتحاد الجمركي الأوروبي، فإنها تمنع
"الحدود المشددة" بين أيرلنديا الشمالية والجنوبية، ولكن بمجرد انتهاء
الفترة الانتقالية، يجب مواجهة هذه القضية مرة أخرى. ويمكن لبريطانيا مغادرة الاتحاد الجمركي فقط إذا
تفاوضت على اتفاقية تجارية مع الاتحاد الأوروبي تقضي بإلغاء القيود على الحدود في
أيرلندا، وقد تجد حلًا تقنياً يتجنب البنية التحتية على الحدود.
وينص الاتفاق على أن الانفصال سيكلف بريطانيا 50.7 مليار يورو القيمة التي
تفي بأي التزامات مالية متبقية.
نتائج خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي :
الاتجاه العام في وسائل الإعلام البريطانية والأجنبية هو التركيز على
الجوانب السلبية والتخويف وخلق بعض المخاوف غير المبررة، التي تجعل بعض الذين
صوتوا بالخروج يتشككون في قراره.
وقد قال بوريس جونسون، أحد قادة معسكر الخروج، إن الحكومة البريطانية
الحالية برئاسة كاميرون لا تقوم بالدور المنوط بها بتسليط الضوء على الايجابيات،
وهو ما يعد تقصيرا في الاستجابة لصوت الشعب الذي قرر الخروج من الاتحاد الاوروبي،
وإن لم يكن كاميرون فعل ذلك[4].
سأتعرض في هذا المقال - والكلام لسعيد جوهر - لأهم الايجابيات، لوضع الأمور
في نصابها وتحقيق التوازن في طرح تلك القضية الخطيرة. تتعدد البرامج التلفزيونية والاذاعية وصفحات
الجرائد حول الخروج والمأساة التي تنتظر المملكة المتحدة، مثل خسارة السوق
الاوروبية الموحدة وخسارة العمالة، ولاسيما في المجال الصحي وخروج كفاءات مالية
ورؤوس أموال خارج بريطانيا وارتفاع مشاعر العنصرية ضد الاجانب. قد يكون ذلك صحيحا
في الأمد القصير، ولكنه سيتغير في الأمدين المتوسط والطويل , يتحدث مؤيدو البقاء
عن أن مساهمات المهاجرين الاوروبيين أكبر من المساعدات الاجتماعية التي يتلقونها،
ولكن لا توجد إحصاءات تؤكد ذلك، وكلها عينات لا يمكن الاعتماد عليها، إضافة إلى أن
الممارسات العنصرية التي تم التأكد منها قليلة جدا وبالتالي يجب عدم تهويلها. كما
ان عدم اليقين الذي أعقب التصويت بالخروج في الاسواق المالية قد عدل نفسه بعد عدة
أيام.
إذا نظرنا إلى الإيجابيات التي يجب تسليط الضوء عليها فهي متعددة. ويمكن
الاستفادة من الحديث عن تلك الايجابيات في المفاوضات مع الاتحاد الاوروبي الذي
يتصور ان بريطانيا هي الخاسر الوحيد من الخروج وهو غير صحيح، فعلى سبيل المثال قال
وزير خارجية بولندا، إن خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي هو خسارة لأوروبا
ولبولندا. ستستمر الاوضاع على ما هي عليه بصورة ما حتى يتم تفعيل المادة 50 من
معاهدة لشبونة، وبعد ذلك اتباع برنامج زمني لمدة عامين لفك الارتباط بين الجانبين.
تتلخص أهم الجوانب الإيجابية في التالي :
أولا:
أن أوروبا بحاجة إلى بريطانيا
مثلما تحتاج بريطانيا إلى أوروبا. وهناك بعض التصريحات من جانب بعض الاصوات في
اوروبا التي أكدت على ان التجارة بين الجانبين ستتواصل بغض النظر عن خروج بريطانيا
من الاتحاد، لان هناك مصالح مشتركة. ومن هنا فيمكن اعادة رسم شكل العلاقة ولكن
المصلحة المشتركة موجودة داخل السوق الموحدة وخارجها.
ثانيا:
إن موقع بريطانيا كمركز مالي عالمي لن يتأثر بالخروج لوجود عدة عوامل، مثل
اللغة والكفاءات المالية التي لن تغادر بريطانيا كما يشاع، وكذلك القوانين
والضمانات التي تعطي للمستثمرين الطمأنينة للعمل في بريطانيا.
ثالثا:
يمكن إعادة ترتيب أوضاع الاوروبيين
الذين يعملون في بريطانيا، وليس كما يشاع سيتم طردهم، بما يسمح باستمرار دوران
العجلة الاقتصادية، ولكن الذين لا يعملون فقط ويعيشون على المساعدات يجب ارجاعهم
الى بلدانهم.
رابعا:
إن بريطانيا من أكبر ثلاثة مساهمين في ميزانية الاتحاد الاوروبي. على
الجانب الاخر فان اليونان وبولندا والمجر هي أكبر ثلاث مستفيدات من مساعدات
الاتحاد الاوروبي. وبالتالي الاموال التي تدفعها بريطانيا للاتحاد يمكن استخدامها
في الداخل البريطاني على الصحة والتعليم وغيرها.
خامسا:
إن الخروج سيوفر لبريطانيا القدرة
على السيطرة على حدودها وتنظيم عملية الهجرة بما يعكس الاحتياجات المحلية للعمالة،
مثل نظام النقاط الذي تتبعه استراليا. إن حرية التنقل يجب ان يتم ضبطها ووضع قيود
عليها لتحقيق نمو اقتصادي من جانب والحفاظ علي الأمن من جانب آخر. إن بريطانيا
والذين صوتوا بالخروج ليسوا في غالبيتهم ضد الهجرة والمهاجرين ولكنهم مع تنظيم
الهجرة والتحكم فيها وفق للحاجة.
سادسا:
سيمكّن الخروج تحقيق الأمن بصورة أكبر. يمكن الاشارة الى ان مبدأ حرية
التنقل وفقا لاتفاقية الشنغن بين 27 دولة اوروبية (بريطانيا ليست عضوا في تلك
الاتفاقية) هو الذي مكن بعض الاسلاميين المتشددين من الهروب من فرنسا الى بلجيكا
بعد ارتكابهم أعمالا ارهابية في باريس. ان غياب الحدود يسهل مهمة الارهابيين.
سابعا:
تخفيف الضغط على المدارس
والمستشفيات والمساكن والمواصلات: لقد تغير الشكل المعماري في بعض المناطق
لاستيعاب الاعداد المتزايدة من المهاجرين. ومن هنا فالخروج سيوقف ويقلل من البناء
المتسارع للعمارات الشاهقة.
ثامنا:
يمكن لبريطانيا الاستفادة من منظمة
التجارة العالمية وعمل شراكات تجارية مع دول أخرى، مثل الصين والهند ودول أفريقية
وغيرها. وبالتالي هناك فرص لتنويع الشركاء التجاريين والتعويض عن خسائر السوق
الاوروبية الموحدة، بل أن بعض الدول مثل الصين قد تجد من السهل عمل اتفاقيات
تجارية مع بريطانيا بالمقارنة بالاتحاد الأوروبي.
خطورة خروج
بريطانيا من الأتحاد الأوروبى :
حذر صندوق النقد الدولي المملكة المتحدة من مغبة الخروج من الاتحاد
الأوروبي، بريكست، "دون اتفاق"، وهو ما سيكلفها خسارة تصل إلى 8% من
ناتجها المحلي الإجمالي مقارنة بخروج سلس قائم على اتفاق . ورصد الصندوق تراجعا للاستهلاك الخاص بسبب
بطء النمو في معدلات الدخل الحقيقي
للسكان، في حين تراجع الاستثمار في الأعمال التجارية - تاثرا بتوقعات ارتفاع
تكاليف التجارة . أما السيناريو الأسوأ، من وجهة نظر الصندوق، فيتمثل في الخروج
غير المنظم من الاتحاد الأوروبي دون فترة انتقالية، ومن شأنه أن يؤدي لانخفاض حاد
في الثقة وانعكاس تدفقات رأس المال، مما يؤثر سلبا على أسعار الأصول وقيمة الجنيه
الاسترليني.
وحذر الصندوق بريطانيا من ارتفاع الدين العام حاليا، كما أن الموقف المالي
حساس للصدمات السلبية للنمو، حيث سيؤدي ارتفاع معدلات أعمار السكان إلى ضغوط كبيرة
على الإنفاق على المدى الطويل، مما يعرض الشعب البريطاني لخيارات صعبة، فإما زيادة
الضرائب والرسوم، أو تأثر مستوى أو نوعية الخدمات الصحية والمعاشات التقاعدية.
وسيتطلب خروج بريطانيا بدون شروط تقشفًا أكبر على المدى الطويل بسبب آثاره
السلبية على النمو، حيث أن تراجع مستويات الإنتاج سيقلل من عائدات الضرائب، وهذا
سيتطلب المزيد من التعديلات للحفاظ على الاستدامة المالية.
خروج بريطانيا له فوائد للاتحاد الأوروبي أيضاً :
1 - أفق قريب
للجيش الأوروبي الموحد :
لقد أفشلت بريطانيا حتى الآن كل المحاولات الساعية لتشكيل جيش أوروبي موحد،
ومؤسسة عسكرية قوية، دون مشاركة حلف الناتو. أما الآن فمع انسحاب المعرقلين، سيكون
الطريق مفتوحا أمام إستراتيجية عسكرية أوروبية. كما أن خروج بريطانيا خبر سار
بالنسبة للدول التي تؤيد تدخل الحكومات في الأمور الاقتصادية والمزيد من إجراءات
الحماية الاقتصادية، والتساهل في أمور الميزانية. لذلك فإنه على الإتحاد الأوروبي
-حسب خبراء في الشؤون الأوروبية في بروكسل- أن يولي اليوم اهتماما أكبر لأعضائه في
الشرق والجنوب، بعد أن اختار القطب البريطاني المغادرة[5].
2 - وظائف
شاغرة قريبا :
سيضطر العديد من الموظفين البريطانيين في بروكسل وستراسبورغ على المدى
البعيد إلى الاستقالة من مكاتب المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي ومجلس
السياسة الخارجية ولجان الخدمات الاجتماعية والاقتصادية ومؤسسات أوروبية عديدة
أخرى. ما يعني خلق مواطن شغل جديدة لبضعة آلاف من الناس. ورغم أن عدد موظفي
بريطانيا في الإتحاد الأوروبي يعتبر أقل نسبيا من عدد الموظفين اليونانيين على
سبيل المثال، إلا أنهم يشغلون مجملا مناصب عليا في مؤسسات الإتحاد. لكن عملية
تغيير الموظفين ستستغرق بضعة سنوات لأن عقود العمل لا تلغى مباشرة مع خروج
بريطانيا من الإتحاد الأوروبي.
3 - العودة
إلى رقة اللغة الفرنسية :
كانت الفرنسية اللغة الأساسية المستخدمة داخل أروقة مؤسسات الاتحاد
الأوروبي قبل خمس عشرة سنة. وعدم إتقان مفوض أوروبي للغة الفرنسية كان في الماضي
أمرا غير قابل للتصديق. لكن الأمور تغيرت منذ انضمام دول من شرق أوروبا إلى الاتحاد.
إذ اعتمدت الإنجليزية فجأة كلغة أساسية للاتحاد الأوروبي .
تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على سوق
العملات:
1 - اليورو:
خسر ما يقارب 400 نقطة مقابل الدولار الأمريكي منذ استفتاء بريكسيت، ولا
يزال يتحرك في اتجاه هابط مع استمرار حالة عدم اليقين حول تأثير خروج بريطانيا من
الاتحاد الأوروبي على اليورو، خاصة مع تزايد المخاوف من خروج دول أخرى مع ازدياد
الأصوات المساندة للأحزاب اليمينية الداعية للانفصال عن أوروبا في عدة دول
كهولندا، إيطاليا، اليونان وفرنسا، أضف على ذلك المشاكل المتعلقة بضعف النمو
الاقتصادي ومشاكل البنوك الأوروبية. ومع ذلك يبقى اليورو في موقف جيد مقابل الجنيه
الإسترليني الذي كان أكبر المتضررين، فزوج اليورو / الجنيه الإسترليني ارتفع من
مستوى 0.76 إلى مستوى 0.85.
2 – الدولار :
منذ عشرات العقود كان الدولار الأمريكي العملة الرئيسية المستعملة لمعظم
دول العالم في الاحتياطات النقدية، مدعوماً بقوة الاقتصاد الأمريكي ومقدرته على التكيف
مع الأزمات.
ومنذ 23 يونيو، عرف الدولار ارتفاعات قياسية مقابل العملات الأوروبية، فقد
انخفض زوج اليورو / الدولار الأمريكي من مستوى 1.14 إلى ما دون مستوى 1.11، في حين
تراجع زوج الجنيه الإسترليني / الدولار الأمريكي من مستوى 1.50 إلى ما دون مستوى
1.30.
ونظراً لاستمرار المخاوف الاقتصادية وحالة عدم اليقين في منطقة اليورو، يرجح
أن يستمر الدولار في ارتفاعه مقابل اليورو والجنية الإسترليني، خاصة لو قرر الاحتياطي
الفيدرالي الأمريكي رفع نسب الفائدة.
3 - الجنية الإسترليني :
كان أبرز المتضررين من حدث الانفصال، حيث عرف انخفاضات قياسية أمام العملات
الأخرى مسجلاً أدنى مستوى له خلال 31 عاماً. سبب آخر يجعل الجنية الإسترليني يعاني
هو الديون السيادية للمملكة المتحدة التي تقدر ب 1.72 تريليون جنيه ما يمثل 90% من
الناتج المحلي الإجمالي والشك الذي يحوم حول قدرتها على سداد ديونها خاصة في حالة
دخول اقتصاد المملكة في حالة ركود، فمباشرة بعد إعلان نتائج الاستفتاء أعلنت وكالة
التصنيف الائتماني المعروفة "ستاندارد أند بورز" خفض التصنيف الائتماني
للمملكة المتحدة من علامة
"AAA" إلى
"AA".
ويتوقع أن تستمر معاناة الجنيه أمام العملات الأخرى خاصة الدولار الأمريكي
والفرنك السويسري مع استمرار الغموض بشأن مستقبل المملكة المتحدة وخاصة لو قام
البنك المركزي باتخاذ سياسات تيسيريه لتحفيز الاقتصاد.
سوق السلع بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي :
1 – الذهب :
كان المعدن الأصفر أحد أكبر المستفيدين من استفتاء بريكسيت، ومن المعروف
تاريخياً فالذهب يكون الملاذ الآمن للمستثمرين في أوقات الأزمات العالمية وفترات
التقلب وعدم اليقين التي تسود أسواق الأسهم والعملات. ومباشرة بعد استفتاء 23
يونيو عرف الذهب ارتفاعاً قياسياً بمعدل 4.5% ليقوم باختراق مستوى المقاومة عند
1300 دولار، المستوى الذي ارتد منه مرتين في سنة 2016 مسجلاً أعلى مستوى له خلال
سنتين ليصل إلى مستوى 1366 بعد مرور أسبوعين من "البريكسيت."
وكان الذهب قد عرف ارتفاعاً بنسبة 28% منذ بداية سنة 2016 حيث ارتفع من
مستوى 1060 إلى ما فوق مستوى 1360 مع نهاية شهر يونيو، مدعوماً بمخاوف تباطء نمو
الاقتصاد العالمي وتقلبات الأسعار في أسواق الأسهم والعملات. ومن المرجح استمرار
ارتفاع أسعار المعدن الأصفر مع استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق المالية
والغموض حول تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على اليورو.
2 – النفط :
عرف النفط سنة 2016 ارتفاعاً ملحوظاً بعد أن ارتد من أدنى مستوى له منذ سنة
2009 عند مستوى 27 دولار للبرميل ليصل إلى مستوى 52 دولار للبرميل. لكن يبدو أن
هذا الارتفاع قد وصل إلى نهايته مع حدث خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فالذهب
الأسود عرف انخفاضاً بنسبة تفوق 4% مباشرة بعد الاستفتاء، وتراجعاً بنسبة 10% بعد
مرور أسبوعين.
ولا يبدو أن أسعار النفط قد تشهد ارتفاعاً على المدى القصير خاصة مع الظروف
الاقتصادية العالمية وانخفاض الطلب جراء تباطؤ النمو الاقتصادي وحالة عدم
الاستقرار في منطقة اليورو.
3 - أسواق
الأسهم :
بعد التراجعات القياسية التي عرفتها أسواق الأسهم العالمية خلال اليوم
الموالي للاستفتاء بعد أن سادت الأسواق حالة من الذعر مخافة تكرار سيناريو انهيار
أسواق الأسهم العالمية سنة 2008 بعد أزمة الرهون العقارية في الولايات المتحدة،
عرفت معظم المؤشرات العالمية ارتداداً قوياً لترجع على مستوياتها المحققة قبل
الاستفتاء.
على غرار مؤشرات أسواق الأسهم الأمريكية التي عرفت ارتفاعاً مدعومة
بالأرقام الإيجابية لتقرير الوظائف في القطاع الغير الزراعي لشهر يونيو. في حين
انعكست اضرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على أسهم الشركات الناشطة في قطاع
الطاقة والقطاع البنكي.
-
نوار جليل هاشم، خروج بريطانيا من الإتحاد
الأوروبي: دراسة في الأسباب والتداعيات، مجلة المستقبل العربي، العدد 461،
المجلد 40، 2018، ص ص 41 -46.
-
محمد أحمد أيوب، التداعيات السياسية لخروج
بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، رسالة ماجستير، جامعة الأزهر، غزة، قسم العلوم
السياسية، 2017، 54—57.
https://alkhaleejonline.net/ ( accessed in 19 –
feb – 2019 )
[3] أسباب وراء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. أهمها الهجرة الأوروبية. أزمة
اللاجئين. إنشاء قوة عسكرية موحدة للتصدي لروسيا وغيرها. افتقار الاتحاد للديمقراطية.
والتذمر من رسوم أوروبا , موجود على :
https://www.youm7.com/story/2016/6/24 ( accessed in 19 - feb – 2019 )
https://www.alquds.co.uk (accessed in 19 – feb – 2019 ).
https://www.dw.com/ar/خروج-بريطانيا-له-فوائد-للاتحاد-الأوروبي-أيضاً/a-19356542 (accessed in 19-feb-2019 ).
تعليقات