التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح السبع سنوات فى أوروبا و أثارها على العالم


المقدمة :
حين وافت سنة 1756 كانت أوربا قد عرفت ثمانية أعوام من السلم  غير أن حرب الوراثة النمساوية لم تحسم شيئاً فقد تركت النمسا قلقة في بوهيميا وإيطاليا، وبروسيا قلقة في سيليزيا، وبريطانيا قلقة في هانوفر، وفرنسا قلقة في الهند، وأمريكا، وعلى الراين. ولم تحقق معاهدة إكس لاشابل (1748) (تسوية للأراضي يمكن أن تقارن في ثباتها بالتسوية التي حققتها معاهدة وستفاليا قبل قرن من الزمان. وتزعزع توازن القوى القديم نتيجة لنمو الجيش البروسي والبحرية البريطانية؛ فقد ينطلق ذلك الجيش ليلتهم أقاليم جديدة، ولا تحتاج تلك البحرية إلا إلى الوقت لتقتنص مستعمرات فرنسا: وهولندا، وأسبانيا. وتغذت الروح القومية الصاعدة في إنجلترا على أرباح التجارة وفرصها، وفي بروسيا على الحرب الظافرة، وفي فرنسا على تفوق ثقافي يشعر شعوراً غير مريح بالاضمحلال العسكري. وكان الصراع بين الكاثوليكية والبروتستانتية قد انتهى إلى مأزق، فترقب الطرفان تحولاً في الحظ ليجددا حرب الثلاثين، طمعاً في الاستيلاء على الروح الأوربية.
القوى السياسية الدولية فى أوروبا خلال القرن الثامن عشر :

إمبراطوريات بريطانيا وهولندا وإسبانيا :

حدت إسبانيا كدولة مسيحية مرة أخرى بعد مرور 800 عام في إثر زواج فرناندو الثاني ملك أراغون بإيزابيل الأولى ملكة قشتالة وتوحيده للدولتين وفي إثر أيضا قضاءه على إمارة غرناطة المسلمة في عام 1492 بدأت محاكم التفتيش الأسبانية في عام 1478 في إجبار المسلمين واليهود الذين يعيشون في البلاد على إعتناق المسيحية. و صادرت أموال المسلمين واليهود الذين لم يعتنقوا المسيحية في البرتغال وإسبانيا والذين غادروا البلاد.إن إمبراطورية إسبانيا التي استولت على قارات أمريكا الوسطى والجنوبية وقارة أفريقيا وجنوب شرق آسيا لأجل تأسيس إسطول كبير فهي تعد أول إمبراطورية إستعمارية في تاريخ العالم[42]. وقد إقتدت إمبراطورية هولندا الإستعمارية بإمبراطوريات البرتغال وإسبانيا الإستعمارية. وقد أسس الهولنديون مستعمرات في أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وأفريقيا وجنوب شرق آسيا. وكانت إنجلترا حتى عام 1588 أضعف بكثير من تلك الدول. ومع ذلك , فقد قويت المملكة المتحدة البريطانية في عهد أسرة تيودور وغادرت اسكتلندا. قد وضعت اليزابيث الأولى ملكة بريطانيا أسس الإمبراطوية البريطانية من خلال إلحاق الهزيمة بالأرمادا الأسبانية الذي تعد أقوى أسطول بأوروبا في عام 1588  وهكذا فقد انتهت الهيمنة الأسباينة على المستعمرات الأمريكية , وبعد هذا التاريخ , فقد استولت القوات الهولندية والإنجليزية واحداً تلو الأخر على المستعمرات التي توجد في أمريكا. إن هولندا بعد هزيمتها في المعركتين البحريتين التي أجريت مع بريطانيا فقد إضطرت للإنسحاب من أمريكا الشمالية في عام 1667. أما فرنسا فقد تركت كل مستعمراتها في أمريكا الشمالية لإنجلترا بمعاهدة باريس التي ابرمت في نهاية حرب الاعوام السبع بتاريخ 1763 وهكذا فقد استولت إنجلترا على كل المستعمرات التي توجد في أمريكا الشمالية. وقد أسست مملكة بريطانيا العظمى من خلال توحيد إنجلترا واسكتلندا في عام 1707. وقد أسست المملكة المتحدة البريطانية والإيرلندية العظمى من خلال ضم إيرلندا لهذا الاتحاد في عام 1800. إن المملكة المتحدة في العصر الفيكتوري التي حكمت ما بين اعوام 1837 و 1901 أصبحت إمبراطورية لا تغرب الشمس عنها   فعندما حل عام 1921 , استولت على عدة مناطق تبلغ مساحتها 36.6 مليون بما في ذلك الهند وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط وأستراليا وكانت تحكم 458 مليون شخصا. كان يعيش ربع العالم من حيث المسافة وعدد السكان تحت هيمنة بريطانيا  [1] .

-  ظهور روسيا دولة أوربية عظمي:

ارتبط ظهور روسيا بوصفها دولة عظمي علي الخريطة الأوربية مع بداية القرن الثامن عشر على يد إمبراطورها بطرس الأول وقد ارتبط ظهورها بأفول نجم السويد التي حازت مكانه تزيد علي إمكاناتها الطبيعية ومواردها وذلك بفضل جيشها القوي ومواردها البشرية وحتى مطلع القرن الثامن كانت روسيا دولة ذات طابع أسيوي تكبلها أغلال الطبيعة القاسية حيث تتجمد موانيها معظم شهور السنة فكأن عليها أن تتوسع غرباً وجنوباً نحو البلطيق والبحر الأسود لتصبح دولة عظمي وهي الخطوة التي قام بها القيصر بطرس الأول   الذي قام أن عمله هو تحويل رعاياه من وحوش إلى آدميين. كانت روسيا قبل بطرس الأول تعيش حياة أسيوية متأخرة في شتي نواحي الحياة، حتى تمكن بطرس من التغلب علي الفئات المسيطرة علي العرش وانفراد بالحكم، فقد تولي بطرس الحكم خلفاً لوالده وهو طفل بينما تركزت مقاليد السلطة الفعلية في يد أخته صوفيا بمساعدة الحرس الخاص واستمر هذا الوضع حتى تمكن بطرس من التخلص مان أخته بعد فشلها في الحرب مع الأتراك وانفراد بالحكم وأرسل أخته إلى الدير. بدأ بطرس سياسته بتحديث الجيش علي النمط الأوروبي مستعيناً في ذلك بضابط اسكتلندي فأدخل أسلحة حديثة، كما أنشأ أسطولاً ليكمل قوته الضاربة وسخر بطرس كل إمكاناته وإصلاحاته لخدمة الجيش ليضمن لبلاده الدفاع وضم رجال من كل الطبقات في الجيش وصارت الترقية وفقاً للكفاءة كما استخدم الجيش للحفااظ علاي الأمان الاداخلي والضرب علي أيدي الخارجين. وكان بطرس قد قام في عام  برحلة عبر دولة أوربا بروسيا وهولندا وانجلترا وأطلاع خلالها على  الحضارة الأوربية واستقدم لبلاده خلال هذه الرحلة مجموعة من خيرة خبراء أوربا، للأخذ بيد روسيا  الى  ركاب لحضارة الأوربية ووفر لهم كل الإمكانات ولم تكن الأرض في روسيا ممهدة تمأما لتقبل الإصلاحات الجديدة حصلت فرنسا على الإلزاس واللورين عدا ستراسبورج، وانفصلت أسقفيات تول ومتز وڤردان عن الإمبراطورية وانضموا لفرنسا. واعترف الصلح بحق سويسرا في الاستقلال وهي منفصلة فعليا دون اعتراف منذ القرن الثالث عشر الميلادي، كما اعترف الصلح بفصل هولندا واستقلالها[2].

الإمبراطورية العثمانية   :

إن التحالف العثماني المقدس الذي تحقق ما بين اعوام 1683-1699 قد بدأ في فقد هيمنته العسكرية بسبب هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحروب. وقد عانت الهيمنة في أوروبا من الإنقلابات والكوراث ودخلت مرحلة الإنحدار. إن الأمبراطورية الروسية التي أسسها بطرس الأول في عام 1721 بدلا من روسيا القيصرية قد لعبت دوراً هاماً في التاريخ الأوروبي حتى ثورة أكتوبر في عام  1917. [3]

 

 

الثورات الأمريكية والفرنسية  :

كانت فرنسا بجانب إنجلترا من حيث استعمار أمريكا الشمالية لكن عندما خسرت فرنسا في حرب السنوات السبع مع بريطانيا قد أجبرت على ترك كل مستعمراتها في أمريكا الشمالية من خلال توقيع معاهدة باريس في عام 1763. ففي تلك الأثناء , حاولت بريطانيا الحصول على العبء المالي لحرب السنوات السبع من مواطينها الذين يعيشون في مستعمراتها. وقد تسبب هذا الوضع في إضطرابات كبيرة في مستعمرات أمريكا الشمالية. وقد أدت حرب الاستقلال الأمريكية التي شنتها عشر مستعمرات تمردوا في عام 1774 لإعلان الاستقلال في عام 1776. وأجبرت بريطانيا بمقتضى معاهدة باريس التي وقعت في عام 1783 إلى الأعتراف بإستقلال الولايات المتحدة الأمريكية. وبالتالي فقدت بريطانيا جزءاً كبيراً من مستعمراتها في أمريكا الشمالية  و دعمت فرنسا حركات الأستقلال الأمريكية ودخلت في أزمة كبرى عندما أنفقت مصاريف القصر الملكي. كان رجال الدين والنبلاء في النظام القديم الذي يسمى بالفرنسية " النظام العتيق " يعفون من الإلتزامات الضريبية . وفي عام 1789 جمع ملك فرنسا نبلاء لويس السادي عشر وأقترح إجراء تغييراً في نظام الضرائب. و رداً على هذا الخطاب , أراد النبلاء أن يجتمع المجلس العام مرة أخرى حيث أنه يعد مجلسا يمثل ثلاثة أقسام رئيسة بالمجتمع. وإضطر لويس السادس عشر لقبول هذا الطلب. إلا أن هذا المجلس وبناءً على مطالب أعضاء المجلس ( البرجوازية ) من الطبقى الوسطى قد تحول لمجلس قومي. إنتاب الملك القلق من هذه التطورات وأقال جاك نيكر وزير المالية الموالي للطبقة الوسطى. تمردت الطبقة الوسطى وفزعت من إسترداد الملك للحقوق التي إكتسبوها. حيث استعانوا بعناصر من الشعوب الأخرى وهاجموا على سجن الباستيل في 14 يوليو 1781 . واستولوا على السجن وأخرجوا كل السجناء. وبالتالي , دامت الثورة الفرنسية التي بدات لفترة تقدر بخمس سنوات مختلفة بين أعوام 1789- 1815.

نابليون بونابرت:

وبعد الثورة الفرنسية , دخلت فرنسا بقيادة النجم الساطع نابليون بونابرت في سلسلة من الحروب ضد دول قوية أخرى بأوروبا. أجريت هذه الحروب فيما بين أعوام 1800-1815 تحت مسمى الحروب النابليونية ودامت 15 عاما . شكلت دولا مثل بريطانيا , والنمسا , و بروسيا , وروسيا تحالفا فيما بينهم ضد فرنسا في 9 مارس عام 1814 لإعادة ترتيب ميزان القوى الجغرافيا السياسية في أوروبا و بالتالي كان هذا التحالف ليس عسكريا فحسب بل أيضا تحالفاً سياسياً في الوقت نفسه. فقد قرر كلاً المندوبين المسئوليين إرسال كل الدول المشاركة في الحرب وفي معاهدة السلام التي أبرمت في باريس بتاريخ 30 مايو 1814 بمشاركة السويد والبرتغال للمؤتمر الذي عقد في فينيا. وأعيدت مرة أخرى قضية توازن القوى والخريطة السياسية المتدهورة في أوروبا بمقتضى الثورة الفرنسية والحروب النابليونية وبقرارات هذا المؤتمر الذي شارك به جميع الدول الاوروربية بإستنثناء الأمبراطورية العثمانية. وقد لعب المستشار النمساوي كليمنس فون مترنيخ الذي تولى رئاسة المؤتمر في الوقت ذاته أهم دورا في إعادة هيكلة أوروبا مرة أخرى في مؤتمر فينيا الذي عقد في عام 1815. واذا استلزم الوضع الراهن لبريطانيا العظمى والنمسا وروسيا وبروسيا بأوروربا مذهبا يسمى بنظام مترنيخ الذي برز في نهاية المؤتمر فإنهم سيفكرون حتما في الحماية بإستخدام قوة السلاح  ومع ذلك , فإن هذا النظام لم يدم طويلا , وإنهار نظام مترنيخ في نهاية الثورات عام 1848 [4].

على المستوى المحلى :
على النمسا  :
فقد سيليزيا نهائياً مع دين حرب قدره 100.000.000 ايكو. وقضي على هيبة الحكام النمساويين باعتبارهم الأصحاب التقليديين للقب الإمبراطوري، وقد عامل فردريك ماريا تريزا معاملته لحاكمة لإمبراطورية نمساوية-مجرية، لا رومانية مقدسة، وترك أمراء الإمبراطورية الألمان الآن وشأنهم، وسرعان ما سيخضعون لزعامة بروسيا في الرايخ، قد اضمحل سلطان آل هابسبورج وصعد سلطان آل هوهنتسولرن، وأصبح الطريق ممهداً لبسمارك. وبدأت النزعتان الوطنية والقومية تفكران تفكير ألمانيا الموحدة بدلاً من تفكير الدولة المعتزة باستقلالها عن غيرها من الدويلات. وحفز الأدب الألماني فأنجب شتورم ودرانج، ثم صعد إلى جوته وشيلر.
أما السويد :
 ففقدت 25.000 رجل، ولم تغنم غير الديون. وأما روسيا ففقدت 120.000 رجل بين المعارك، والشدائد، والأمراض، ولكنها ستعوضهم عما قليل، ولقد فتحت عهداً جديداً في تاريخها الحديث بزحف جيوشها في الغرب، وأصبح تقسم بولندا الآن أمراً لا مناص منه، وأما فرنسا فلم تجنِ غير الخسائر الفادحة في مستعمراتها وتجارتها، وحالة قريبة من الإفلاس دفعتها خطوة أخرى إلى الانهيار. وأما إنجلترا فكانت النتائج بالنسبة لها أعظم حتى مما قدر زعماؤها، السيطرة على البحار، والسيطرة على عالم المستعمرات، وتأسيس إمبراطورية عظيمة، وبداية 182 سنة من السيادة في العالم. وأما بروسيا فخسرت خراب أراضيها وتدمير ثلاثة عشر ألف منزل فيها، وإحراق مائة مدينة وقرية سويت بالتراب، واقتلاع آلاف الأسر من مواطنها، ومات 18.000 بروسي (حسب تقدير فردريك)(68) في المعارك أو المعسكرات أو الأسر، ومات حتى أكثر من هؤلاء لنقص الدواء أو الطعام، وفي بعض المناطق لم يبقَ غير النساء والشيوخ ليزرعوا الحقول، وهبط السكان من 4.500.000 في 1756، إلى 4.000.000 في 1763 وغدا فردريك الآن بطل ألمانيا بأسرها (عدا سكسونيا!) فدخل برلين دخول الظافر بعد غياب ستة أعوام. وتوهجت المدينة بالأضواء ترحيباً به، وأشادت به منقذاً لها، وذلك رغم عوزها وفجيعة كل أسرة فيها. ولانت روح هذا المحارب القديم . لقد كان في قدرته أن يتواضع؛ وفي الساعة التي تملقه فيها الجميع لم ينسَ الأخطاء الكثيرة التي ارتكبها قائداً-مع أنه أعظم القواد الذين أنجبهم العصر الحديث باستثناء نابليون. ولم يغب عن بصره آلاف الشبان البروسيين الذين بذلوا دماءهم ثمناً لسيليزيا [5].   
على المستوى الأقليمى  :
ما أهم نتائج حرب السنين السبع من الناحية السياسية على المستوى الأقليمى  فهي ظهور الإمبراطورية البريطانية، وانبعاث بروسيا دولة من الطراز الأول، أما من الناحية الاقتصادية فهي التقدم صوب الرأسمالية الصناعية ولم تكن الحرب إلا في بدايتها ثم عودة إلى الدين في فرنسا، وإنجلترا، وألمانيا وقد أنقذت البروتستانتية في إنجلترا من الدمار، ولو أن فردريك خسر الحرب لحل ببروسيا في أغلب الظن ما حل ببوهيميا بعد عام 1620، فأكرهت على العودة إلى الذهب والقوة الكاثوليكيين؛ أن انتصار الخيال على الواقع ثروة من نزوات التاريخ .
الثورة الدبلوماسية  :
تُعتبر الثورة الدبلوماسية الأصل لحرب السبع سنوات، ففي عام 1748م تم إبرام معاهدة إيكس-لا- تشابيل، وهي معاهدة أنهت حرب الخلافة النمساويّة، إلّا أنّها بنظر الكثيرينّ كانت عبارة عن هدنة تُوقف الحرب مؤقتاً، وقد كانت النمسا قد فقدت سيليسيا بعد سيطرة بروسيا عليها، كما ازداد قلق روسيا بسبب زيادة قوة بروسيا وبدأت تبحث عن بدائل وتتساءل بشأن بدء حرب وقائية لإيقاف نمو قوة بروسيا، وقد كانت بروسيا مسرورة بسيطرتها على سليسيا، ورأت أنه من الممكن شن حربٍ جديدة لإبقائها في حوزتها، كما بدأت تحلم بالسيطرة على أراضٍ أخرى إن هي شنت الحرب وفي الخميسينيات من القرن السابع عشر الميلادي، ازدادت التوترات بين بريطانيا وفرنسا بشأن السيطرة على أمريكا الشمالية، وقد حاولت بريطانيا أن تمنع الحرب من خلال تغيير تحالفاتها مع الدول الأخرى، أما فريدريك الثاني المعروف باسم فريدريك العظيم فقد أثار الثورة الدبلوماسية التي أسفرت عن تغيير التحالفات السابقة، فتحالفت بذلك فرنسا، والنمسا، وروسيا ضد بريطانيا العظمى، وبروسيا وهانوفر .
أنتهت حرب السبع السنوات بتوقيع معاهدتينّ رئيسيتينّ ترتبط كل منهما بمجموعة، حيث إنّ الحرب كانت تشمل على حربين أساسيتين هما الحرب بين فرنسا وبريطانيا، والحرب بين النمسا وبروسيا، وبذلك تم توقيع معاهدة باريس في 10 شباط/فبراير من عام 1763م، واشتملت هذه المعاهدة على تسوية الأمور بين بريطانيا، وإسبانيا، وفرنسا، حيث أعادت بريطانيا هافانا إلى إسبانيا مقابل أخذها لفلوريدا، أما فرنسا فقد عوضت إسبانيا عن الخسائر من خلال منحها لويزيانا، وقد اكتسبت بريطانيا العديد من الجزر الواقعة في الهند الغربية، وفي السنغال، وفي مينوركا , أما المعاهدة الثانية فقد وُقّعت في 10 شباط/فبراير من عام 1763م وكانت بين بروسيا والنمسا، وأسفرت عن بقاء سيليسيا مع بروسيا، أما النمسا فقد حافظت على سكسونيا تحت سيطرتها، وقد أشار المؤرخ أندرسون إلى أن الوضع لم يتغير عليه أي شيء، بالرغم من إنفاق الملايين وموت الآلاف من الناس، ومما دفع الأطراف المتحاربة إلى قبول السلام وتوقيع الهدنة هو أن مختلف الدول المتحاربة لم تتمكن من تحقيق الانتصارات الكافية لإجبار أعدائها على الاستسلام، وبحلول عام 1763م كانت الحرب قد استنزفت موارد الدول المتحاربة، فبدأت النمسا بالإفلاس مع تخلّي روسيا عن دعمها، كما هُزمت فرنسا ولم تعد ترغب في دعم النمسا، أما إنجلترا فقد حرصت على إنهاء عملية استنزاف مواردها [6].

                               .

على المستوى الدولى :
على الأطلنطي، وفي أمريكا الشمالية، وفي الهند. في تلك المناطق كانت نتائج الحرب هائلة طويلة البقاء : .
أمريكا الشمالية :
كانت أول خطوة تكوين الإمبراطورية البريطانية قد اتخذت في القرن السابع عشر، وذلك بانتقال التفوق البحري من أيدي الهولنديين إلى أيدي الإنجليز. أما الثانية فحددتها معاهدة أوترخت (1713) التي منحت إنجلترا احتكار توريد العبيد الأفارقة للمستعمرات الأسبانية والإنجليزية في أمريكا. وكان العبيد ينتجون الأرز والتبغ والسكر، وكان جزء من السكر يحول إلى شراب الروم، وشاركت تجارة الروم في إثراء تجارة إنجلترا (القديمة والجديدة) ومولت أرباح التجارة التوسع في الأسطول البريطاني. فما حلت سنة 58(57) حتى كان للإنجليز 156 سفينة حربية، ولم يكن لفرنسا غير 5.777 ومن ثم كانت الخطوة الثالثة في بناء الإمبراطورية هي إضعاف القوة الفرنسية في البحار. وقطع هذه العملة انتصار ريشيليو في منيورقة، ولكنها استؤنفت بتدمير أسطول فرنسي أما لاجورس، بالبرتغال (13 إبريل 1759)، وأسطول آخر في خليج كويبيرون. ونتيجة لذلك هبطت تجارة فرنسا مع مستعمراتها من ثلاثين مليوناً من الجنيهات في 1755 إلى أربعة ملايين في أما وقد تمت السيادة على الأطلنطي، فقد انفتح الطريق أمام البريطانيين ليفتحوا أمريكا الفرنسية، ولم تقتصر هذه على حوض نهر سانت لورنس وإقليم البحيرات العظمى، بل شملت حوض المسيسبي من البحيرات إلى خليج المكسيك، لا بل أن وادي نهر أوهايو كان في قبضة الفرنسيين. وسيطرت القلاع الفرنسية على شيكاغو، وديترويت، وبتسبرج-التي كان تغيير اسمها من فوردوكين رمزاً لنتائج الحرب. وكانت الممتلكات الفرنسية تقف عقبة أما توسع المستعمرات الإنجليزية في أمريكا نحو الغرب. ولو لم تنتصر إنجلترا في حرب السنين السبع لانقسمت أمريكا الشمالية إلى إنجلترا جديدة في الشرق، وفرنسا جديدة في الوسط، وأسبانيا جديدة في الغرب، ولتكررت نسخة من انقسامات أوربا وصراعاتها في أمريكا. وقد حذر بنيامين فرانكلين المسالم المستعمرين الإنجليز من أنهم لن يكونوا آمنين في ممتلكاتهم، ولا أحراراً في نموهم، مل لم يوقف الفرنسيين في توسعهم الأمريكي، وقد دخل جورج واشنطن التاريخ بمحاولته الاستيلاء على فور دوكين.كانت كندا ولويزيانا مدخلي أمريكا الفرنسية، وأقربهما إلى إنجلترة وفرنسا هي كندا فعن طريق السنت لورنس كانت تصل المؤن والجنود إلى "المستوطنين"؛ وكانت تحرس ذلك الباب قلعة لوبيورج الفرنسية على رأس جزيرة بريتون عند مصب النهر العظيم. وفي 2 يونيو 1758 حاصر لوبيورج أسطول إنجليزي صغير من اثنين وأربعين سفينة تحمل 18.000 جندي يقودهم الأميرال إدوارد بوسكاون. ودافع عن الحصن عشر سفن و 6.200 مقاتل، وأعترض الأسطول البريطاني التعزيزات المرسلة من فرنسا. وقاتلت الحامية ببسالة، ولكن سرعان ما حطمت المواقع البريطانية وسائل دفاعها. وكان تسليم الحصن (26 يوليو 1758) بداية الفتح البريطاني لكندا ولم تفلح استراتيجية المركيز دمونكالم وبطولته في تعطيل سير العملية إلا قليلاً. فبعد أن أوفدته فرنسا (1756) ليقود الجنود النظاميين في كندا، ظفر بالنجاح تلو النجاح إلى أن أحبطه ما تفشى في الإدارة الفرنسية-الكندية من فساد وخلل، وما تبين من عجز فرنسا عن موافاته بالمدد. وفي 1757 حاصر قلعة وليم هنري واستولى عليها؛ وهي تقع على رأس بحيرة جورج. وفي 1758 هزم 15.000 من جنود بريطانيا والمستعمرات عند تيكوند ورجا بقوة قوامها 3.800 مقاتل. ولكنه التقى بقريعه حين دافع عن كوبيك بقوة قوامها 15.000 رجل ضد القائد الإنجليزي جيمس وولف الذي لم يكن تحت قيادته أكثر من 9.000 جندي. وتقدم وولف بنفسه جنوده في تسلق المرتفعات إلى سهول ابراهام. وجرح مونكالم جرحاً مميتاً وهو يدير الدفاع، وجرح وولف جرحاً مميتاً على ساحة النصر (12-13 سبتمبر 1759). وفي 18 سبتمبر 1760 سلم فودربي-كافانيال، حاكم كندا الفرنسي، وبسطت بريطانيا سلطانها على هذا الإقليم الكبير.
وبعد أن وجه الإنجليز مراكبهم صوب الجنود هاجموا الجزر الفرنسية في البحر الكاريبي. فاستولوا على جودلوب في 1759، وعلى المارتنيك في 1762، ووقعت كل الممتلكات الفرنسية في جزر الهند الغربية- باستثناء سان- دومنج- في قبضة بريطانيا. وطلباً للمزيد من مكاسب النصر أرسل بت الأساطيل إلى أفريقيا للاستيلاء على محطات النخاسة الفرنسية على الساحل الغربي، فاستولت عليها، وانهارت تجارة الرقيق الفرنسية، واضمحل ثغرها الرئيسي في فرنسا وهو نانت. وارتفع ثمن العبيد في جزر الهند الغربية، وحقق تجار الرقيق البريطانيون ثروات جديدة لتلبية الطلب على العبيد(58). وينبغي أن نضيف هنا إن الإنجليز لم يكونوا أكثر قسوة في هذه العملية الإمبريالية من الأسبان أو الفرنسيين، إنما كانوا أكفأ منهم وفي إنجلترا بدأت حركة مقاومة الرق تتخذ شكلاً فعالاً [7].
 -  جبهة الهند الشرقية :

خريطة الهند عند بدء الصراع
وفي غضون ذلك كانت روح المغامرة البريطانية-الحربية والبحرية، والتجارية-مشغولة بالتهام الهند -فقد أقامت شركة الهند الشرقية الإنجليزية معاقل لها في مدراس (1639)، وبمباي (1668) وبوندتشيري، جنوبي مدراس (1683)، وفي شندرناجور شمال كلكتا. كل مراكز القوة هذه اتسعت في الوقت الذي اضمحل فيه حكم المغول في الهند، واستعمل كل فريق الرشوة والقوة العسكرية لمد منطقة نفوذه وكانت فرنسا وإنجلترا قد اشتبكتا معاً في الهند إبان حرب الوراثة النمساوية (1740-48) ولم يفعل صلح إكس لاشابل أكثر من قطع الصراع فترة، والآن جددته حرب السنين السبع. ففي مارس 1757 استطاع أسطول إنجليزي يقوده الأميرال تشارلز وطسن، ويعاونه جنود شركة الهند الشرقية بقيادة غلام من شرويشير يدعى روبرت كلايف أن ينتزع شندرناجور من الفرنسيين، وفي 23 يونيو، وبقوة لا تزيد على 3.200 جندي، هزم كلايف 50.000 هندوكي وفرنسي عند بلاسي (على ثمانين ميلاً شمال كلكتا) في معركة أكدت السيادة البريطانية على شمال شرقي الهند. وفي أغسطس 1758 طرد أسطول إنجليزي بقيادة الأميرال جورج بوكوك من المياه الهندية الأسطول الفرنسي الذي كان يحمي الممتلكات الفرنسية على طول الساحل. وبعد ذلك بفضل ما امتاز به البريطانيون على الفرنسيين من القدرة على جلب الرجال والمؤن، لم يكن انتصار إنجلترا إلا مسألة شهور. ففي 1759 أحبط وصول المؤن والإمداد البريطانية بحراً الحصار الفرنسي الذي فرضه على مدراس الكونت دلاللي. وهزم الفرنسيون هزيمة فاصلة في وانديووش في 22 يناير 1760، وسلمت بوندتشيري للبريطانيين في 16 يناير 1761 وقد ردت هذه المحطة الأمامية، وهي آخر المحطات الفرنسية إلى فرنسا 1763 ولكن كان مفهوماً للجميع أن بقاء السيادة للفرنسية رهن برضاء بريطانيا [8] .





[1] - عبد الحميد البطريق وعبد العزيز نوار، التاريخ الأوربي الحديث من عصر النهضة إلى أواخر القرن الثامن عشر  , (دار الفكر العربي، القاهرة، ص ص ( 150 – 170 ) .
   
[2]  -  هربرت فشر، أصول التاريخ الأوربي الحديث من النهضة إلى الثورة الفرنسية، ترجمة وديع الضبع (دار المعارف، القاهرة،  ط 3 ، 2001 ) , ص ص 50 – 60 .
[3]  - عبدالحميد البطريق و عبدالعزيز نوار , مرجع سبق ذكره , ص 110 .
[4]   - عبد العظيم رمضان، تاريخ أوربا والعالم في الحديث من ظهور البرجوازية حتى الحرب الباردة (الهيئة العامة للكتاب، القاهرة،  ) , 1997 ,  ص ص 60 – 75 .
[5]  - هربرت فشر , مرجع سبق ذكره , ص 120 .
[6]  - عبدالحميد  البطريق و عبدالعزيز نوار , مرجع سبق ذكره , ص 130 . 
[7]  - هربرت فيشر , مرجع سبق ذكره , ص 170 .
[8]  - مرجع سابق , ص 190 .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نموذج سنايدر لصنع السياسة الخارجية

المقدمة : بالرغم من اختلاف المدارس والمنظورات التي تناولت السياسة الخارجية إلا أنها تشير كاتجاه عام للتعريف إلى سلوك الدولة تجاه البيئة الخارجية وهذا السلوك يتبلور في أشكال عدة وهو موجه بالأساس نحو وحدات سياسية (الدول ) أو وحدات تنظيمية (الأمم المتحدة مثلا ) أو قضايا (استعمار أو احتلال )، ومن هذا المنطلق حاول دارسوا السياسة الخارجية محاولة بناء نماذج نظرية تملك القدرة المعرفية على تحليل وتفسير سلوكيات الدول الخارجية من خلال البحث في تساؤلات محددة ، فمنهم من اهتم بمن يصنع القرار سواء كان فرد أو جماعة أو جهاز ، ومنهم من انصرف إلى دراسة عوامل ومسببات صنع القرار أي كيف يصنع القرار من حيث هو عملية مركبة أو تلقائية و عموما فأيا كانت اتجاهات التحليل التي استندت إليها هذه النماذج النظرية وأيا كانت السياقات والقوالب التي جاءت فيها . فإنها جميعا واكبت نزعة التنظير في السياسة الخارجية في محاولة لتصميم أطر نظرية تفسيرية مرنة تحلل السلوكات الخارجية، لذلك ظهرت نماذج عديدة مثل نموذج سنايدر وروزنو وغراهام أليسون   .   نموذج صنع القرار الخارجي لسنايدر البناء العام لصنع القرار في ال...

السياسة الخارجية الأمريكية تجاه العراق من 1990 الى 2007

المقدمة : تثير السياسة الخارجية الأمريكية الكثير من الجدل والاهتمام لدى الباحثين في مختلف أنحاء العالم؛ وذلك بسب توجهات هذه الدولة العظمى التي تستهدف كل وحدات النظام الدولي، هذه التوجهات   التي ترسم انطلاقا من مجموعة من المبادئ، وتستخدم مجموعة من الوسائل والآليات التي قد تختلف   طرق استعمالها من إدارة إلى أخرى إلا أن هدفها يبقى واحدا وهو تحقيق مصالح الولايات المتحدة في مختلف أنحاء العالم إن توجهات السياسة الخارجية الأمريكية تباينت في مختلف مراحل تطور الدولة الأمريكية، حيث كانت في بداية تأسيس الدولة ذات توجهات انعزالية من أجل تحقيق القوة الأمريكية، وبمجرد قيام الحرب العالمية الثانية حتى بدأت تتضح معالم توجهاتها التدخلية لتخرج بذلك من دائرة الانعزال إلى   دائرة التدخل في الشؤون الدولية، أما مع نهاية الحرب الباردة فقد عرفت التوجهات الأمريكية مرحلة جديدة تميزت بغياب العدو المفترض بسقوط الاتحاد السوفياتي، ثم دخلت السياسة الأمريكية مرحلة أخرى بعد أحداث 11 سبتمبر ،2001هذه الأحداث التي كان لها تأثير كبير على توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة وأنها تزامنت مع بداية عهد...

شرح حركة الكشوف الجغرافية فى أوروبا و أثارها على العالم

المقدمة : الكشوف الجغرافية هي رحلات انتشرت بشكل واسع في القرن الخامس عشر الميلادي، وقام بها الأوروبون لاكتشاف مناطق جديدة، من أجل شراء منتجاتهم من المناطق الشرقية، بعد أن أصبح المسلمون يطالبون الأوروبين بدفع ضرائب غالية على بضائعهم، لذلك قرر الأوروبون مقاطعة مناطق التجار المسلمين، والبحث عن طريق يوصلهم الى جزر الهند مباشرة دون الاتصال بالمسلمين، وقد بدأت البرتغال وإسبانيا في حركة الكشوفات الجغرافية أولاً . ٍ أولا : العوامل المحفزة لحركة الكشوف الجغرافية : هناك العديد من العوامل المؤثرة على حركات الكشوف الجغرافية و هى تنقسم على عدة مستويات وهى : أولا :   على المستوى المحلى : على المستوى المحلى كان هناك تاثير للعديد من العناصر التى ساعدت وحفزت على نشر حركات الكشوف الجغرافية وهى : 1 – تقدم صناعة السفن وأدوات الملاحة : للقيام بالكشوف الجغرافية كان لابد من تواجد صناعة جيدة و متقدمة للسفن و أدوات الملاحة و كان التواجد الجغرافى للدول الأوروبية على المحيط أثر كبير فى القدرة على ليقدم لسكانها القدرة على تكين مدراس بحرية جيدة تتقن التعامل مع البحر و أستكشافه ولقد أنقسمت ال...